المناخ

بعد سنوات عجاف.. أمطار جانفي تعيد الحياة لسدود تونس

بعد سنوات عجاف ضرب فيها الجفاف تونس "الخضراء"، بدأت السدود تنتعش بتدفقات مائية جيدة حملتها أمطار غزيرة

بعد سنوات عجاف ضرب فيها الجفاف تونس “الخضراء”، بدأت السدود تنتعش بتدفقات مائية جيدة حملتها أمطار غزيرة في بلد يتبع إجراءات تقشفية في استهلاك المياه.

وارتفعت نسبة امتلاء السدود التونسية بالمياه من 19.6 بالمئة (459.4 مليون متر مكعب) مطلع ديسمبر الماضي إلى 31.9 بالمئة (747.4 مليون متر مكعب) في 22 جانفي الجاري.

ومن المتوقع أن تزيد النسبة أكثر بفضل أمطار مرتقبة نهاية الشهر الحالي، وفق إحصائيات الإدارة العامة للسدود والأشغال المائية الكبرى (حكومية).

وتأتي هذه التطورات السارة بينما تتبع تونس إجراءات حازمة أقرتها الحكومة منذ 6 مارس 2023 لترشيد استهلاك المياه، في ظل تهديدات جدية بعطش كان على الأبواب جراء تتالي سنوات الجفاف.

ومن بين هذه الإجراءات: تعميم التجهيزات المقتصدة في المياه، وتجمع مياه الأمطار، والصيانة الوقائية لشبكات المياه، وحفر الآبار، وتغيير سلوك المستهلكين للمياه.

ووفق رصد الأناضول عادت الأودية التي تغذي سدود الشمال التونسي إلى النشاط وانسابت الجداول بالمياه من الجبال المحيطة إلى أحواض السدود لتروي عطشها بعد سنوات عجاف.

سنة ممطرة

المسؤول السابق بوزارة الفلاحة محمد صالح قلايد قال للأناضول: “عادت الحياة إلى السدود بفعل الأمطار الأخيرة، وسدود الشمال لها 38 بالمئة (نسبة امتلاء)، وهذه السنة ممطرة”.

وأضاف: “سد سيدي البراق (بمعتمدية نفزة في ولاية باجة/ شمال) هو سد استراتيجي لمياه الشرب، وماؤه يضخ إلى سد سجنان (ولاية بنزرت/ شمال)، ثم إلى قناة مجدة الوطن القبلي (توصل المياه إلى تونس الكبرى وولاية نابل/ شمال شرق)”.

وتابع: “السدود المخصصة للشرب فيها نسبة امتلاء مهمة، مثل سد كساب الثلث، وسد سيدي البراق أكثر من 60 بالمئة، وسد بني مطير (معتمدية فرنانة من ولاية جندوبة/ شمال غرب) 63 بالمئة”.

و”إذا تجاوز سد سيدي سالم (باجة) نسبة امتلاء 50 بالمئة سيتم استعماله لري الخضروات الفصلية”، وفق قايد.

وحول استمرار إجراءات التقشف منذ مارس 2023، قال إن هذه “الإجراءات تم اتخاذها عندما كانت السدود في حدود 20 بالمئة نسبة امتلاء، وإذا تواصل نزول الأمطار بكميات مهمة يُتوقع أن ترفع تلك الإجراءات في مارس المقبل”.

مؤشرات جيدة

“الأمطار الأخيرة هي أمطار خير وبركة، والمؤشرات بالنسبة للموسم الفلاحي 2024/2025 جيدة”.. هكذا بدأ رئيس الاتحاد الجهوي للفلاحة بباجة شكري الدجبي حديثه للأناضول.

وأردف الدجبي: “في بداية البذر كانت هناك أمطار وعملية الإنبات جيدة وعملية التجذير جيدة، لأنه هناك كميات أمطار هامة على مستوى ولاية باجة وعلى مستوى وطني”.

وزاد بأن “باجة تتصدر إنتاج الحبوب حتى في سنوات الجفاف، وفي نفس الوقت فلاحتنا مطرية، والأمطار تبث الفرحة في صفوف كل الفلاحين”.

وبالنسبة لكميات الأمطار التي تم تسجيلها، قال الدجبي: “الآن تجاوزنا بعض المعدلات العادية في معتمدية نفزة (حيث يوجد سد سيدي أبراق) وسجلنا منذ بداية الموسم الزراعي (سبتمبر/ أيلول) كميات في حدود 780ملم، والمعدل هو 520 ملم”.

وتابع: “معتمدية (تقسيم إداري) مجاز الباب (باجة) تجاوزت المعدل العادي، وبقية المعتمديات السبع قريبة من المعدل، وإذا تحدثنا عن التساقطات فأكيد أن هذا له تأثير على السيلان (للمياه)، وبالتالي نتحدث عن السدود والبحيرات”.

و”أكبر سد في تونس هو سد سيدي سالم بطاقة تعبئة 580 مليون متر مكعب، وسد سيدي البراق 290 مليون متر مكعب، وهذا السد هو الذي أنقذ تونس في السنوات الأخيرة”، حسب الدجبي.

وأضاف أنه “خلال 4 سنوات من الجفاف كان سد سيدي البراق هو الاحتياطي الذي يوفر الماء الصالح للشراب وفي بعض الأحيان الري”.

وأفاد بأن “نسبة امتلاء سد سيدي البراق اليوم تجاوزت 65 بالمئة (165 مليون متر مكعب)، ويأتي في المرتبة الثانية سد بربرة في جندوبة (98.3 بالمئة)، وهذا مؤشر جيد في علاقة بمياه الشرب وكذلك الري”.

واستطرد: “باجة فيها 50 بالمئة من طاقة استيعاب السدود في تونس، في سدود كساب وسد سيدي البراق وسد سيدي سالم وبعض البحيرات”.

وزاد: “ونحن في وضعية متوسط الآن، فقط سد سيدي سالم، الذي هو بعيد عن المعدلات العادية، هو القلب النابض للمياه في البلاد”.

إجراءات تقشفية

وبشأن إجراءات وزارة الفلاحة التقشفية وإمكانية الخروج من هذا الوضع، قال الدجبي: “التقشف في الماء لابد أن يكون في كل وقت، ولابد أن يكون سلوكا مواطنيا سواء كنت مستهلكا أو فلاحا، وحتى في وجود فائض من المياه”.

وأضاف: “بالنسبة للوضع الحالي هناك نسبة أمطار مهمة جدا للزراعات الكبرى والأشجار المثمرة، لكن لا تزال لا تفي بالحاجة ليكون هناك موسم فلاحي جيد”.

وتابع: “لا زلنا دون المعدلات الوطنية بما يقارب 6 نقاط، والنقطة تساوي 23 مليون متر مكعب، وإن شاء الله ننتظر أمطار أخرى في فيفري وخلال الربيع القادم”.

وأردف: “منذ 4 أو 5 سنوات نتعامل فقط مع التنبيهات بعدم الزراعة (لبعص المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه) وعدم السماح بإنجاز اتفاقات إنتاج لفائدة معامل (شركات) تحويل المنتجات الفلاحية، وهذا يضر بالفلاح في غياب البدائل”.

ولفت الدجبي إلى أن “سد سيدي سالم تتغذى منه مناطق سقوية في باجة، مثل تستور ومجاز الباب وقبلات والوطن القبلي (نابل) وتونس الكبرى (ولايات تونس ومنوبة وأريانة وبن عروس)”.

وشدد على أن هذا السد “لا يزال في وضعية حرجة، ويحتاج إلى أمطار كبيرة لنمر إلى وضع عادي”.

و”وضعية سد سيدي سالم، الذي يزود أغلب المناطق المروية، بنسبة امتلاء 19 بالمئة لا يشجع على زراعة مساحات شاسعة للبطاطا والطماطم”، وفق الدجبي.

وبخصوص سد سيدي البراق، فقال إنه “سد احتياط، ووجدنا أنفسنا في وضع تحويل الماء إلى سد سجنان ومنه إلى سد العروسية ومنه إلى سد غدير، القلة للشرب وما بقي للري”.

أما “مياه الشرب فمرتبطة بسد بوهرتمة وبني مطير وكساب وسد سيدي سالم وسد سيدي البراق، اللذان يكملان بعضهما البعض”، كما زاد الدجبي.

وأضاف أن “هذه السدود أوضاعها جيدة، فسد كساب يحتاج 12 مليون متر مكعب لضمان مياه الشرب لعام كامل، والآن فيه 21 مليون متر مكعب”.

واعتبر أن “تونس في مأمن من العطش، وفي الشمال لا تضيع أي قطرة ماء، وكلها تحول إلى السدود”.

عشب للشياه

على المرتفعات المشرفة على سد وادي الكبير في مدينة طبرقة بولاية جندوبة في الطريق إلى سد بني مطير في فرنانة (جندوبة)، وجدنا يوسف الخضراوي يرعى أغنامه في الغابة.

وقال الخضراوي للأناضول: “الأسبوع الماضي كان كله ممطرا بعد جفاف طويل، والعشب أصبح متوفرا للشياه”.

وتابع: “كما ترى أن السد ممتلئ بالماء، فيه أكثر من 50 بالمئة، ويتم تحويل مياهه إلى سد سيدي البراق عبر قنوات”.

“عانينا من الجفاف السنوات الأخيرة، ولم تنزل الأمطار إلا في الخريف الماضي”، كما ختم الخضراوي.

تصنيفات: , , ,