شهدت الدورة الحالية من مهرجان قرطاج الدولي 2025 واحدة من أسوأ انطلاقاته جماهيريًا، في مشهد غير مسبوق بتاريخ هذا الصرح الثقافي العريق الذي لطالما مثّل واجهة فنية وطنية وعربية. غيابا لافتا للجمهور، رغم أهمية العرض الافتتاحي الذي قاده الموسيقار الدكتور محمد القرفي، أحد أبرز الأسماء في المشهد الموسيقي التونسي، مما أثار موجة من التساؤلات حول الأسباب العميقة لهذا الفشل، لا سيما وقد سبقه توتر كبير على مستوى التنظيم والتحضيرات.
فمن حيث القيمة الفنية، لم يكن العرض في ذاته دون طموح. على العكس، تضمن توظيفًا أكاديميًا دقيقًا للموروث الموسيقي التونسي، وإعادة قراءة لبعض الأشكال الغنائية التراثية. إلا أن هذا الجهد لم ينعكس جماهيريًا، إذ جاء الحضور باهتًا إلى حد الصدمة. لا يبدو أن العزوف الجماهيري نابع من عدم الاهتمام بالمحتوى، بل من فشل ذريع على مستوى الترويج والدعاية.
وفي هذا السياق، لم يُخفِ الدكتور محمد القرفي في الندوة الصحفية الخاصة بالمهرجان، استياءه مما وصفه بـ”التضييقات والمضايقات المقصودة” التي تعرض لها أثناء التحضير للعمل، موجّهًا انتقادات مباشرة إلى إدارة التظاهرات والمهرجانات في وزارة الشؤون الثقافية، في ما بدا وكأنه مواجهة صريحة مع أسلوب تسيير وُصف مرارا داخل الأوساط الفنية بالبيروقراطي، العشوائي.
الخيارات الفنية… إخفاق في الرؤية والتنفيذ
بعيدًا عن الخلفيات الإدارية، فإن العرض نفسه لم يكن في مستوى ما كان منتظرًا من مهرجان بحجم قرطاج. فالخيارات الفنية التي تم اعتمادها بدت غير متجانسة، وأحيانًا غير مدروسة. فقد طغى التوزيع الأوبرالي الكثيف على معظم الفقرات، ما أدى إلى تفريغ الأغاني من روحها التونسية الأصيلة، وساهم في إبعادها عن المتلقي الذي ينتظر من هذا النوع من العروض إعادة وصل صوته بالذاكرة الجماعية.
الأمر لم يتوقف عند الجانب التقني أو التوزيعي، بل شمل أيضًا اختيارات المضمون. فتكريم رموز بحجم صالح الخميسي وعلي الدوعاجي، تم بشكل اختزالي وجانَبَ الإنصاف، حيث اختُزلت تجربتهما الفنية والأدبية في مقاطع ذات طابع خمري، في حين أن مسيرتهما أعمق وأغنى بكثير مما تم تقديمه. وهو ما اعتُبر قراءة سطحية أفرغت التكريم من معناه الرمزي والفني.
من جانب آخر، مثّلت بعض المقاطع مشاهد من التناقض الفني الصارخ، على غرار استخدام لوحة راقصة احتفالية على أنغام مرثية “يا خيل سالم” للراحلة صليحة، وهو ما أثار حيرة واستياء المتابعين. ففي الوقت الذي تستدعي فيه هذه الأغنية فضاءً من الحزن والتأمل، جاء الأداء الكوريغرافي مبتهجًا إلى حد السذاجة، في تنافر عبثي بين المضمون الموسيقي والحركة المسرحية، مما أفقد المشهد كلّ بعد جمالي أو تعبيري.
مهرجان قرطاج: هل فقد بوصلته؟
تأتي هذه الدورة في سياق وطني استثنائي، حيث تؤكد الدولة على أهمية الثقافة والفن كجزء من مشروع وطني شامل لإعادة البناء وإصلاح المؤسسات. غير أن ما حصل في افتتاح المهرجان يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى انسجام الخطاب الرسمي مع الواقع، ويعيد إلى الواجهة جدلًا متجدّدًا حول معايير اختيار المسؤولين على التظاهرات الكبرى، ومدى امتلاكهم للرؤية والقدرة على الإنجاز.
لم يعد الحديث مقتصرًا على “عرض لم يكن موفقًا”، بل بات الأمر أعمق من ذلك، سياسة ثقافية تفتقر إلى التنسيق والتخطيط، وتغلب عليها الحسابات الضيقة، وسط غياب شبه تام للرقابة والمحاسبة. كل هذا انعكس بشكل مباشر على صورة المهرجان الذي كان من المفترض أن يكرس الإشعاع الفني لتونس، فحوّله الأداء الارتجالي إلى مادة للانتقاد والسخرية على منصات التواصل الاجتماعي.
ما حدث في قرطاج لا يمكن اعتباره مجرد تعثر عابر، بل هو مؤشر واضح على حالة من التخبّط تعيشها المنظومة الثقافية الرسمية. دورة كان من المفترض أن تمثل لحظة احتفاء بالموسيقى التونسية وروّادها، تحوّلت إلى مناسبة طغى عليها الإرباك وسوء التقدير. وبين الجدل التنظيمي والإخفاق الفني، وجد المتابع نفسه أمام عرض لم يلبِّ الحدّ الأدنى من التطلعات، في مهرجان لطالما مثّل رمزًا للذائقة الرفيعة والمستوى الفني الراقي.



