في ثالث سهرات المسرح ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي في دورته 59، كان الموعد مع عرض “بينومي S+1” للمخرج والممثل عزيز الجبالي. عرضٌ قدّم وسط تفاعل لافت مع نصّ موغل في التهكم، مسكون بهاجس السؤال، ومدفوع برغبة صريحة في هزّ الثوابت الاجتماعية والسياسية على حدّ سواء.
اختار الجبالي وفريقه أن يواجهوا جمهور قرطاج – الذي اعتاد في أغلبه العروض الغنائية – بعمل مسرحي كثيف، متشابك، ينطلق من الحميمي لينفتح على الجماعي، ويقدّم ضحكًا يحمل في طيّاته وجعًا عميقًا.
رؤية ساخرة لحقيقة اجتماعية في بيت ضيق
ينطلق العرض من فكرة بسيطة: “حميدو”، شاب في الثلاثينيات، يعيش وحيدًا في بيت صغير، ويبحث عن شريك للسكن. الوسيط العقاري “كلخة” يستغل حاجته تلك، فيعرض عليه سلسلة من المتسوّغين، كل واحد منهم يحمل قصة، موقفًا، وموقفًا مضادًا.
منذ الوهلة الأولى، يتحول البيت من مجرد مكان للسكن إلى مرآة مصغرة للمجتمع التونسي، حيث تتقاطع الهويات والانتماءات والجهات والخطابات. في هذا الحيز الضيق، تتجمّع كل تناقضات الواقع من الهويّة الجهوية إلى سؤال الحرية الفردية، من أزمة المثقف إلى مسألة العنصرية، و حرية التعبير إلى القضية الفلسطينية.
نص ثنائي… وهواجس مشتركة
يُحسب للعمل أنه كُتب بطريقة ثنائية، وهو ما جعله يحمل أكثر من صوت، وأكثر من زاوية و رؤية. لا هيمنة لنبرة واحدة، بل تداخل لطبقات مختلفة من التعبير والسخرية والاحتجاج.
مسرحية “بينومي” ليس فقط عرضًا فكاهيًا، بل مشروع قراءة مجتمعية بتقنيات مسرحية تعتمد التأثير النفسي، واللعب الجسدي، وإيقاع الحوار المتدرج. عرض لا يخاف من طرح الأسئلة، ولا من الانزلاق أحيانًا إلى حافة الإرباك.
حين يلامس الذكاء حدود الابتذال
رغم أن “بينومي” يقدّم مادة نصيّة مركّبة، ويشتغل على مفارقات ذكية تحمل عمقًا نقديًا، إلا أن العرض لم يسلم في بعض مشاهده من الوقوع في فخ الابتذال، خاصة حين ينزاح الحوار نحو التلميحات الجنسية المفرطة أو النكت الفجّة التي بدت مفتعلة أكثر منها عضوية في سياق الأحداث. هذه اللحظات، وإن كانت تلقى ضحكًا سريعًا من الجمهور، إلا أنها كشفت أحيانًا عن قلق في الكتابة، ورغبة في إرضاء جمهور عريض على حساب الإيقاع الفني والرمزي للعمل. فبدل أن تكون السخرية أداة تفكيك، تحوّلت في بعض المقاطع إلى وسيلة استسهال تُقحم الخارج عن النص داخله، وتُضعف أثر المشهد بدل تعميقه.
رغم نجاعة الطرح السياسي الذكي – خصوصًا في مشهد الصراع بين “ابن العاصمة” و”ابن الداخل”، أو في نبش قضية العنصرية أو حرية التعبير– إلا أن العرض بدا وكأنه يراوح أحيانًا في المنطقة الرمادية، يخاف أن يُحدث خرقًا حقيقيًا، ويكتفي بالتماس مع القضايا دون الغوص إلى عمقها. وربما كان ذلك خيارًا واعيًا، يراهن على إيصال الإحساس بالخلل بدل رفع الشعارات.



