رياضة

«صراع العقول» في كأس أمم إفريقيا.. 24 استراتيجية تسعى لدخول التاريخ

ملعب مولاي عبد الله في الرباط

 قبل ساعات من انطلاق العرس الكروي الأكبر في القارة السمراء، لا تتوجه الأنظار هذه المرة إلى صراع الأقدام فوق العشب الأخضر فحسب، بل تمتد لتستقر خلف خطوط التماس، حيث يقف أربع وعشرون عقلا مدبرا ترسم ملامح المجد القادم في بطولة كأس أمم أفريقيا 2025 في المغرب.

هي معركة العقول التي تجمع تحت لوائها مزيجا فريدا من الفلسفات الكروية، وتصهر داخل بوتقتها ثقافات متباينة، لتقدم لنا لوحة فنية تعكس شعار البطولة بامتياز “نحن مختلفون”، حيث يتنافس هؤلاء القادة لا من أجل حصد النتائج فحسب، بل من أجل إثبات الهوية وترسيخ الإرث وصناعة التاريخ في ملاعب المملكة المغربية التي باتت قبلة العالم الرياضية.

في طليعة هذا المشهد، يقف المدير الفني للمنتخب المغربي وليد الركراكي، ذلك الرمز الذي أعاد تعريف التدريب الأفريقي الحديث، حاملا على عاتقه ليس فقط أحلام المغاربة، بل ثقة قارة بأكملها رأت في إنجازه المونديالي التاريخي عام 2022 نافذة نحو المستحيل، واليوم، يجد الركراكي نفسه أمام المهمة الأصعب والأسمى؛ وهي فك عقدة اللقب الغائب عن خزائن “أسود الأطلس” منذ عام 1976، مستندا إلى عاملي الأرض والجمهور، ومسلحا برؤية تكتيكية ترى في كأس أمم أفريقيا التحدي الحقيقي لإثبات أن ما حدث في قطر لم يكن مجرد طفرة، بل كان بداية لسيادة مغربية كاملة.

وفي المقابل، يبرز اسم الأسطورة الحية حسام حسن، الذي يقود “الفراعنة” بروح المقاتل التي لم تفارقه يوما، حيث يسعى “العميد” لتحويل شغفه الأسطوري كلاعب إلى استراتيجية فنية تعيد مصر إلى منصة التتويج القاري للمرة الثامنة في تاريخها، معتمدا على كاريزمته الطاغية وقدرته الفائقة على شحن لاعبيه بروح الانتصارات الكلاسيكية.

أما في معسكر “محاربي الصحراء”، فقد استعان الاتحاد الجزائري بالمهندس السويسري فلاديمير بيتكوفيتش، الرجل الذي جاء من قلب المدارس الأوروبية العريقة ليعيد الانضباط والهيبة للمنتخب الجزائري بعد فترات من التذبذب، ورغم افتقاره للتجربة الأفريقية السابقة، إلا أن بيتكوفيتش نجح في وقت قياسي في ترميم الثقة وبناء هيكل تكتيكي صلب، مبرهنا على أن كرة القدم لغة عالمية لا تعترف بالحدود الجغرافية بقدر ما تعترف بالتنظيم والذكاء.

وفي تونس، عاد سامي الطرابلسي إلى القيادة بعد عقد من الزمان، محملا بخبرة السنوات وطموح جيل جديد يتطلع لتحويل الاستقرار الفني إلى نجاح قاري ملموس، خاصة بعد نجاحات التأهل المونديالي التي رفعت سقف التوقعات لدى الجماهير التونسية التواقة للمجد.

وتتجلى في هذه النسخة ظاهرة المدرب “الرحالة” والخبير بالدروب الأفريقية، وهو ما يجسده البلجيكي هوجو بروس مع جنوب إفريقيا، الرجل الذي تذوق طعم الذهب مع الكاميرون في 2017، وها هو اليوم يبعث الروح في “بافانا بافانا” بتنظيم دفاعي وهجومي محكم جعلهم رقما صعبا في القارة.

وعلى ذات النهج الساعي للاستمرارية، يسير باب ثياو مع السنغال، المهاجم السابق الذي تحول إلى قائد هادئ خلفا لأليستر سيسيه، ليثبت أن المدرسة السنغالية تمتلك من النضج ما يكفي للحفاظ على هيبة “أسود التيرانجا” فوق القمة القارية والعالمية.

ولا يغيب عن المشهد إيميرس فاييه، الذي تحول من مدرب طوارئ إلى بطل قومي في كوت ديفوار، حيث يدخل هذه البطولة وهو يسعى لإثبات أن معجزة التتويج بلقب 2023 كانت نتاج عمل مؤسسي وفني عميق وليست مجرد ضربة حظ.

الحكايات الملهمة تتواصل مع مدربين صنعوا المعجزات بإمكانيات محدودة، مثل ستيفانو كوزين الذي جعل من جزر القمر قصة تدرس بتأهله التاريخي للبطولة القارية دون أي هزيمة، وجيمس كويسي أبياه الذي قاد السودان بذكاء فني مذهل، متفوقا على حساب بلده الأم غانا، ليؤكد أن العقل الأفريقي قادر على قراءة تفاصيل اللعبة بدقة متناهية.

كما يظهر مورنا راموريبولي كوجه مشرق للتدريب المحلي الصاعد، بعدما أعاد بوتسوانا للساحة القارية بعد غياب دام 13 عاما، حاملا معه طموحات أمة صغيرة تحلم بمزاحمة الكبار.

وفي أنجولا، يبرز باتريس بوميل، التلميذ النجيب لهيرفي رينار، الذي يطمح لاستخدام خبرته القارية الطويلة في جعل “الغزلان السوداء” الحصان الأسود للبطولة.

وتبرز مدرسة الانضباط في شخص الألماني جيرنو رور مع بنين، والبلجيكي توم سانتفيت مع مالي، وكلاهما يمتلك سجلات حافلة في الملاعب الأفريقية تجعل منهما قادة قادرين على تسيير المباريات المعقدة بذكاء تكتيكي عال.

وفي سياق البحث عن الهوية المفقودة، يقف ديفيد باجو مع الكاميرون، وإريك شيل مع نيجيريا، كلاهما تحت ضغوط هائلة لاستعادة بريق قوى عظمى بدأت تفقد بعضا من وهجها، مما يجعل من مشاركتهما في المغرب اختبارا حقيقيا لمستقبلهما الفني ومكانة منتخبيهما في القمة القارية.

إننا أمام مشهد كروي متكامل الأركان؛ حيث يلتقي “البروفيسور” براما تراوري، الذي يجسد الذكاء التكتيكي لبوركينا فاسو، مع خبرة الأرجنتيني ميجيل جاموندي في تنزانيا، وطموح موسى سيتشوني في زامبيا، والبلجيكي المتخصص بول بوت في أوغندا. هؤلاء الـ 24 مدربا ليسوا مجرد موجهين للاعبين، بل هم مهندسو أحلام ومؤلفو قصص وطنية، يخوضون في المغرب صراعا مريرا لا يقتصر على الـ 90 دقيقة، بل يمتد ليشمل بناء فلسفات كروية ستحدد ملامح القوة في القارة لسنوات قادمة.

ومع اقتراب الصافرة، يبقى السؤال المعلق في فضاءات ملاعب الدار البيضاء ومراكش والرباط وأكادير وطنجة وفاس، أي عقل تكتيكي سيكون الأقدر على فك شفرات الدفاعات الأفريقية الحصينة؟ وأي فلسفة ستنتصر في النهاية؟ هل هي واقعية المدارس الأوروبية، أم حماس المدرسة المحلية، أم مكر الخبراء “الرحالة”؟ الأكيد أن المغرب 2025 لن تكون مجرد بطولة للأهداف، بل ستكون أعظم مناظرة فنية في تاريخ القارة، حيث يكتب 24 مدربا بمداد من العرق والطموح فصلا جديدا من فصول العظمة الأفريقية، مؤكدين” أننا حقا في قارة مختلفة، تعيش كرة القدم كنبض حياة لا يتوقف.

تصنيفات: , , , ,