سجلت صادرات تونس من منتوجات قطاع الفسفاط ومشتقاته، خلال سنة 2025، ارتفاعا ملحوظا بنسبة 15 بالمائة بعد انكماش قياسي بنسبة 3ر26 بالمائة في سنة 2024 اثر بعمق في التوازنات المالية والتجارية للبلاد، وفق مؤشرات المعهد الوطني للإحصاء، وياتي هذا التحسن في سياق مجهودات حكومية مكثفة لاعادة تموقع القطاع المنجمي كرافعة استراتيجية للنمو، خاصة في ظل الحاجة الملحة لتقليص العجز التجاري وتعزيز الموارد بالعملة الصعبة.
واعتبارا للدور المحوري لقطاع الفسفاط في الاقتصاد الوطني والحرص على استعادة نسق الانتاج بعد تراجعه خلال العشرية الفارطة، أقرت الحكومة خطة طموحة للرفع في الإنتاج إلى حدود 14 مليون طن بحلول سنة 2030 ترتكز بالخصوص على تحسين الإنتاج والنقل والبنية التحتية لقطاع الفسفاط ومشتقاته.
وتبرهن المؤشرات المحققة خلال سنة 2025، على أن استعادة نسق الإنتاج ممكنة في ظل وجود الارادة السياسية لتحقيق ذلك حيث أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد، على ضرورة أن يستعيد هذا القطاع لا نسق الإنتاج الذي كان عليه بل وأكثر مع الحفاظ على حقوق العُمّال كاملة والأخذ بالاعتبار مشاقَّ العمل في قطاع المناجم، هذا مع إعادة بناء عديد المرافق العمومية التي كانت موجودة ثمّ تلاشت واندثرت.
كما شدّد رئيس الجمهورية، في لقاء سابق مع وزيرة الصناعة والمناجم والطاقة، فاطمة ثابت شيبوب، على ضرورة وضع استراتيجية جديدة لغسل الفسفاط باستعمال مياه الصّرف الصحّي بعد معالجتها عوض استعمال الماء الصالح للشراب، فمثل هذا الاختيار يُتيح الاقتصاد في الماء كما ثبت نجاحه في عديد الدول.
ومن هذا المنطلق، سيتم التركيز في تحسين اداء هذا القطاع، على دعم الاستثمار في إنتاج المشتقات الفسفاطية ذات القيمة المضافة العالية، خاصة الحامض الفسفوري العادي والمنقّى ، وثلاثي وأحادي الفسفاط الرفيع، وثاني وأحادي فسفاط الأمونيا، وذلك تماشيا مع الطلب العالمي وتغطية حاجيات السوق الوطنية لاسيما في القطاع الفلاحي.
كما تعد المناجم غير الفسفاطية المتوفرة والمتنوعة رافعة للتنمية العادلة والشاملة باعتبار مساهمتها في بعث المشاريع التنموية وخلق ديناميكية اقتصادية ومواطن شغل بالولايات التي تشكو ارتفاعا في نسب البطالة.
قطاع استراتيجي فقد بريقه
تم خلال سنة 2025 إنجاز العديد من الإصلاحات والإجراءات العملية التي ساهمت بشكل كبير في تحسن الإنتاج والاقتراب من الأهداف المرسومة بخطة العمل المصادق عليها لشركات القطاع للفترة 2025-2030 والمتمثلة في تحقيق انتاج ووسق يقدر ب 3ر5 مليون طن وتحويل 1ر4 مليون طن من الفسفاط .
هذا التحسن في الانتاج اكدته ايضا رئيسة الحكومة، سارة الزعفراني الزنزري، خلال تقديمها في نوفمبر 2025 بيان الحكومة حول مشروع ميزانية الدولة والميزان الاقتصادي لسنة 2026، مبرزة أنّ الحكومة عملت خلال السنة الفارطة على تطوير إنتاج الفسفاط ورفع القدرات الإنتاجية لهذه المادة الاستراتيجية، مشيرة إلى أن التوقعات تشير إلى بلوغ إنتاج سنوي يناهز 5 ملايين طن مع نهاية 2025.
وأضافت رئيسة الحكومة أنّ شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي سجّلا تقدماً هاما على مستوى الإنتاج وتحسين الأداء، معتبرة أنّ هذا التطور يعكس استعادة القطاع لنشاطه تدريجيا بعد سنوات من التراجع.
وتتمثل أهم العوامل التي أدت إلى هذه النتائج في تحسن نشاط استخراج الفسفاط الخام بالمناجم السطحية بفضل انطلاق عمل آلات الشحن والنقل المقتناة خلال سنة 2024 بقيمة 60 م د والمخصصة لنقل الفسفاط إلى المغاسل، وتحسن تموين المغاسل بالفسفاط الخام من المناجم السطحية وعودة مغسلة الرديف للعمل بداية من 10 مارس 2025، والترخيص للشركة بنقل الفسفاط الخام بالشاحنات داخل الحوض المنجمي مما ساهم في تغطية عجز الشركة التونسية لنقل المواد المنجمية، اضافة الى تجديد شبكة المياه الصناعية لتأمين تزويد المغاسل بالمياه الصناعية، وأيضا صيانة وإعادة تأهيل الناقل المطاطي وإعادة تشغيل المغاسل 1 و3.
وبالرغم من هذه الإنجازات الهامة، إلا أن القطاع ما يزال يشكو من عديد الإشكاليات ومنها بالخصوص نقص المياه الصناعية خاصة بالرديف وأم العرائس وإشكاليات تصريف المياه الطينية من المغاسل، وتواصل ضعف أداء الشركة التونسية لنقل المواد المنجمية وتراجع جاهزية أسطولها، وضعف نسق وسق الفسفاط التجاري من مناطق الإنتاج نحو مصانع التحويل ويعود ذلك بالأساس إلى تأخر أعمال الصيانة وتضرر السكة بسبب الأمطار وتواصل ضعف أداء الشركة التونسية للسكك الحديدية (5ر3 قطار/اليوم)، علاوة على تواصل تعطل المشاريع الكبرى على غرار مشروع أم الخشب 1 لإنتاج الفسفاط ومعمل المظيلة 2 لإنتاج ثلاثي الفسفاط الرفيع.
رهانات إنتاج مضاعف
تتمحور الخطة التنمويّة لقطاع الفسفاط خلال الخماسية القادمة حول الترفيع تدريجيا في نسق الإنتاج انطلاقا من سنة 2026 بطاقة انتاج حوالي 5ر5 مليون طن وصولا إلى 6ر13 مليون طن في أفق سنة 2030 بالإضافة إلى العودة تدريجيا لنشاط تصدير الفسفاط المجفف خاصة مع ارتفاع أسعار الفسفاط العالمية، مما يمكن من استعادة القطاع لمكانته في السوق العالمية، وذلك على أن يكون معدل الطاقة التصديرية السنوية حوالي 300 ألف طن في سنة 2026 لتبلغ 1 مليون طن في أفق 2030، وفق برنامج الميزان الاقتصادي 2026 . ويتطلب هذا الامر ضرورة العمل على دعم نقل الفسفاط الخام إلى مراكز الإنتاج وتوفير المياه الصناعية وضرورة فض إشكاليات المشاريع الكبرى وخاصة مشروع أم الخشب 1 بالإضافة إلى الانطلاق في إنجاز وحدة الإنتاج الجديدة بأم الخشب 2.
أما بالنسبة لمشتقات الفسفاط، فسيتم العمل على تنويع المنتوجات استجابة لطلب السوق والرفع من انتاج الحامض الفسفوري العادي والمنقى وثلاثي الفسفاط الرفيع TSP وأحادي الفسفاط الرفيع SSP وثاني فسفاط الأمونيا DAP وأحادي فسفاط الأمونيا MAP، واستغلال الإمكانيات المتاحة للتصدير والاستجابة لمتطلبات السوق الداخلية وتغطية حاجيات القطاع الفلاحي.
هذا بالإضافة إلى ضرورة استكمال إنجاز مصنع المظيلة 2 المعطل منذ سنة 2020، كما يمثل الجانب البيئي أهم التحديات التي تواجه المجمع الكيميائي وبالتالي فمن الضروري استكمال برنامج التأهيل البيئي لوحدات المجمع بكل من قابس وقفصة والصخيرة.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام المتدخلين في منظومة الانتاج في تحويل هذا التعافي الظرفي إلى مسار نمو مستدام يعيد لتونس مكانتها التاريخية ضمن كبار المنتجين العالميين للفسفاط، ويجعل من القطاع رافعة فعلية للتنمية الجهوية والانتعاش الاقتصادي الوطني



