اقتصاد, سياسة

الحرب على إيران تعيد رسم خرائط النفوذ الدولي في الشرق الأوسط

ترامب يدفع أمريكا نحو حرب مع إيران

تشهد منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام مرحلة دقيقة من التحولات الجيوسياسية المتسارعة، في ظل استمرار تداعيات الحرب على إيران، في سياق إقليمي ودولي تتداخل فيه الأبعاد العسكرية مع الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية، بما يعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل النظام الدولي وتوازنات القوى فيه.

وفي هذا السياق، لا يبدو النزاع القائم مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين أطراف إقليمية، بل يتجاوز ذلك ليأخذ طابعا أوسع يرتبط بإعادة تشكيل خرائط النفوذ بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين، التي تتقاطع مصالحها في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية، وهو ما يضفي على هذا الصراع أبعادا تتجاوز حدوده الجغرافية المباشرة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يرى المحلل الأمني علي زرمديني، في تصريح خاص لوكالة تونس إفريقيا للأنباء -وات- أن الحرب الأمريكية -الصهيونية على إيران التي بدأت يوم 28 فيفري الماضي، تمثل نقطة انعطاف في مسار طويل من التوترات التي طبعت المنطقة خلال العقود الأخيرة، حيث تتداخل الملفات الأمنية بالاقتصادية،

وتتشابك فيها رهانات الطاقة مع الاعتبارات الجيوسياسية، بما يجعل من أي استمرار للحرب العسكرية عدم التوصل الى حلول لإنهاء الأزمة قادرا على إعادة توزيع موازين القوى بسرعة غير مسبوقة.

وفي امتداد لهذا الطرح، يوضح زرمديني أن هذه الحرب لن تظل محصورة في بعدها العسكري، بل سيكون لها تداعيات واسعة في ما يتعلق برسم الخريطة الجيوسياسية، سواء من خلال بروز أطراف جديدة فاعلة في المنطقة أو من خلال الأدوار التي يمكن أن تلعبها في المشهد السياسي الدولي عبر المفاوضات الجارية حاليا لإنهاء الأزمة، وهو ما يعكس طبيعة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي

تنافس القوى الكبرى وإعادة تموقع النفوذ الدولي

وفي قراءة أوسع للمشهد السياسي ، يوءكد المحلل الأمني أن التطورات الحالية في الساحة الدولية ، تعكس إعادة تموضع تدريجية للقوى الكبرى.

وقال في هذا الخصوص أن كلا من الولايات المتحدة وروسيا والصين تسعى حاليا إلى حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وإن اختلفت في أدوات التأثير وأساليب التدخل، مبرزا أن الولايات المتحدة هي فقط تعمل على الحفاظ على أمن الممرات البحرية وحماية حلفائها التقليديين.

وأضاف أن روسيا من جهتها تهدف الى تعزيز حضورها عبر بوابة الطاقة والتحالفات العسكرية، بينما تعتمد الصين على أدواتها الاقتصادية والاستثمارية لضمان استقرار تدفقات التجارة والطاقة ضمن مبادرة “الحزام والطريق.

ومن هذا المنطلق، أعتبر زرمديني أن هذا التعدد في المقاربات يعكس طبيعة نظام دولي يتجه نحو مزيد من التعددية القطبية، حيث لم تعد قوة واحدة قادرة على فرض رؤيتها بشكل منفرد، بل أصبحت التوازنات أكثر تعقيدا وتشابكا، وهو ما يفسر في الآن ذاته تصاعد المخاوف من توسع رقعة التوتر إقليميا، خاصة في ظل تشابك التحالفات العسكرية والأمنية ووجود ملفات مفتوحة في أكثر من ساحة، الأمر الذي قد يؤدي، وفق تقديره، إلى ما يشبه “تأثير الدومينو” بما يهدد الاستقرار العام ويزيد من حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي، لا سيما في ظل هشاشة الأوضاع الداخلية في عدد من الدول المجاورة.

إيران في قلب المعادلة الجيوسياسية للطاقة

وفي سياق متصل، افاد زرمديني أن إيران تكتسي موقعا جيوسياسيا بالغ الأهمية، باعتبارها دولة تطل على الخليج وتشرف على مضيق هرمز، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم لنقل النفط والغاز، وهو ما يجعل أي اضطراب في محيطها الأمني لا يظل محصورا داخل حدودها، بل يمتد تأثيره مباشرة إلى أسواق الطاقة العالمية.

كما أوضح أن هذا الموقع يجعل من إيران طرفا مركزيا في معادلة الأمن الطاقي العالمي، وهو ما يفسر حجم التفاعل الدولي مع كل تطور ميداني في محيطها، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو التحركات الدبلوماسية أو إعادة التموضع العسكري، مبرزا في الآن ذاته تكامل أهمية مضيق هرمز مع باب المندب في تأمين إمدادات الطاقة على المستوى العالمي.

أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد تحت ضغط التصعيد

بالاستناد إلى هذه المعطيات، يفسر المتحدث لوات أن ملف الطاقة يمثل أحد أبرز أبعاد الأزمة، إذ أدى تصاعد التوتر إلى اضطراب واضح في أسواق النفط والغاز، مع ارتفاع أسعار التأمين البحري وتزايد مخاطر النقل عبر الممرات الاستراتيجية.

وفي هذا الإطار، يلتقي تحليله مع ما يؤكده خبراء الطاقة من أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر حساسية لأي تطور في الخليج، خاصة وأن مجرد تهديد جزئي للملاحة في مضيق هرمز كفيل بإحداث تقلبات حادة في الأسعار تنعكس بشكل مباشر على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي في العديد من الدول.

ولا يقتصر هذا التأثير، وفق زرمديني، على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل سلاسل الإمداد العالمية، حيث تعتمد قطاعات واسعة من الصناعة والزراعة على استقرار حركة الشحن البحري وتدفق المواد الأولية.

واعتبر أن قطاع الطاقة هو جزء من سياق أوسع يشهد صراعات ممتدة في مناطق متعددة، من بينها الحرب الروسية الأوكرانية وما يحدث في بعض دول إفريقيا، خاصة في المناطق الغنية بالطاقة، في ظل تصاعد التنافس الدولي حول هذه الموارد الحيوية.

تداعيات تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي

وفي امتداد مباشر لهذه التأثيرات، يحذر خبراء الاقتصاد الزراعي الدوليون من أن استمرار التوتر قد يفاقم الضغوط على الأمن الغذائي العالمي، خاصة في الدولالمستوردة للمواد الأساسية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة كلفة إنتاج ونقل الأسمدة، وهو ما ينعكس على أسعار الغذاء.

وتبرز هذه الإشكالية بشكل خاص في الدول النامية، التي تتقاطع فيها هشاشة القدرة الشرائية مع محدودية إمكانيات الدعم الحكومي، ما يجعلها أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الخارجية.

نظام دولي على مفترق طرق

وفي ضوء كل هذه المعطيات، يطرح زرمديني تساؤلا جوهريا حول ما إذا كانت التطورات الحالية ستقود إلى نظام دولي أكثر اضطرابا، أم أنها ستشكل مقدمة لإعادة توازن جديدة في العلاقات الدولية.

فبينما يرى البعض أن العالم يتجه نحو مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، يعتقد آخرون أن الأزمات الكبرى قد تفضي إلى إعادة صياغة قواعد النظام الدولي وبروز توازنات جديدة على المدى البعيد.

غير أن المؤكد، وفق ما خلص إليه زرمديني، أن الحرب على إيران لم تعد مجرد حدث إقليمي معزول، بل تحولت إلى عامل مؤثر في إعادة تشكيل النظام الدولي، من خلال تأثيرها المباشر على الطاقة والتجارة والتحالفات السياسية والأمن الإقليمي والعالمي، لتبقى المنطقة، في خضم هذه التحولات، أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين التصعيد المستمر أو التوصل إلى تسويات دبلوماسية معقدة أو الدخول في مرحلة طويلة من إعادة رسم موازين القوى في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

تصنيفات: , , , ,

حول وكالة تونس إفريقيا للأنباء