“يوم الخُليف” هو الاسم المتوارث في مكة المكرمة لليوم التاسع من شهر ذي الحجة الموافق ليوم عرفة، وهو يوم اجتماعي لا شعيرة دينية، تحرص فيه نساء مكة وأطفالها على ملء ساحات المسجد الحرام بالطواف والصلاة والإفطار، في الوقت الذي يكون فيه الحجاج على صعيد عرفات. ويوافق التاسع من ذي الحجة 1447هـ هذا العام يوم الثلاثاء 26 ماي 2026، وفق تقويم أم القرى للمملكة العربية السعودية.
وتعدّ هذه العادة من أبرز الموروثات الاجتماعية المرتبطة بموسم الحج في مكة، إذ توثّقها مصادر سعودية رسمية ومؤسسات تراثية، وتتداولها الصحف المحلية كل عام مع اقتراب وقفة عرفة. في هذا المقال نعرض تعريف “يوم الخُليف”، وأصل تسميته، وكيف تحييه نساء مكة اليوم، وموقعه ضمن المنظومة الاجتماعية لموسم الحج.
ما هو “يوم الخُليف”؟
وفقًا لـسعوديبيديا، الموسوعة المعتمدة التابعة لوزارة الإعلام السعودية، فإن “الخُليف والقيس” عادة اجتماعية قديمة ظهرت في مكة المكرمة، تحييها النساء في يومي التروية وعرفات؛ الثامن والتاسع من ذي الحجة، وتتمثل في بقائهن داخل المدينة خَلَفًا للرجال الذين يتوجهون إلى المشاعر المقدسة لخدمة الحجاج أثناء أدائهم شعيرة الحج.
وقد ركّز التداول الإعلامي والتطبيق العملي للعادة في العقود الأخيرة على يوم التاسع من ذي الحجة تحديدًا، أي يوم عرفة، حيث تتجلى الصورة الأبرز لهذا التقليد في ساحات المسجد الحرام. وتُعرف النساء اللواتي يقصدن الحرم في هذا اليوم بـ”مؤنسات الحرم”، وهي تسمية شعبية تعكس وظيفتهن الرمزية في “إيناس” المسجد الحرام والكعبة المشرفة كي لا يخلو صحن الطواف من زائر.
تتوافد النساء بصحبة أطفالهن من ضواحي مكة وهِجَرها إلى الحرم، ويبقين فيه حتى منتصف ليلة العيد، بحسب ما تنقله صحيفة عكاظ السعودية. ويأخذ صحن الطواف في هذا اليوم منظرًا استثنائيًا تغطّيه عباءات النساء السوداء، في مشهد ارتبط بمكة منذ عقود.
قصة التسمية: بين “الخُليف” و”القيس”
تتوارد روايتان رئيسيتان لتفسير تسمية “الخُليف”، وتذكرهما المصادر السعودية معًا دون ترجيح قاطع لإحداهما.
الرواية الأولى أن كلمة “الخُليف” مشتقّة من التخلّف عن الحج، أي أنها تشير إلى من بقي في مكة ولم يتيسر له الحج أو خدمة الحجيج، وغالبيتهم من النساء وكبار السن والأطفال. وبحسب صحيفة عكاظ، فإن هؤلاء يقصدون الحرم للصلاة والعبادة في يوم عرفة بديلًا عن الوقوف على صعيد عرفات.
أما الرواية الثانية، وهي الأقرب إلى ما توثّقه سعوديبيديا، فترى أن النساء يَخْلُفْنَ الرجال في الحي وفي خدمة الحرم، إذ يتولّين تفقّد البيوت ومساعدة كبار السن وتوزيع الماء والطعام، فيما ينشغل الرجال في خدمة ضيوف الرحمن داخل المشاعر المقدسة.
وقد ارتبط بهذه العادة اسم آخر هو “القيس”، نسبةً إلى أنشودة شعبية ترددها النساء للمتخلّفين عن خدمة الحجيج دون عذر، وتقول: “يا قَيْس يا قَيْس… قُومْ اذبَحْ التَيْس، كُلّ النّاس حَجّوا… وأنتَ قاعد ليش”. وتُمثّل هذه الأنشودة جانبًا اجتماعيًا طريفًا من العادة، إذ تجمع بين المرح والتذكير بقيمة المشاركة في موسم الحج.
كيف تحيي نساء مكة “يوم الخُليف” اليوم؟
تبدأ تجمّعات النساء عادةً في أحد بيوت العائلة الكبيرة في أطراف نهار التاسع من ذي الحجة، ثم يتوجّهن جماعيًا مع الأطفال إلى المسجد الحرام. ويذكر المصدر السعودي الرسمي أن بعض النساء يصلن إلى الحرم في فجر يوم عرفة لأداء الطواف وحضور مراسم تبديل كسوة الكعبة المشرفة، فيما تأتي الغالبية بعد صلاة العصر لإدراك صلاتي المغرب والعشاء والإفطار.
أبرز ممارسات يوم الخُليف داخل الحرم تشمل: الطواف حول الكعبة المشرفة، والبقاء في ساحات المسجد الحرام حتى نهاية النهار، وتقديم وجبة الإفطار للصائمين من زوار الحرم، ثم أداء صلاتي المغرب والعشاء قبل العودة إلى البيوت استعدادًا لاستقبال عيد الأضحى.
وتشير صحيفة عكاظ إلى أن هذه العادة في صورتها الحديثة ارتبطت بمكة منذ نحو خمسة عقود، فيما تذكر سعوديبيديا أن جذورها الاجتماعية في الأسر الحجازية أقدم من ذلك، إذ كان أهل مكة قديمًا يجهّزون الخيام حول بيوتهم لاستقبال الحجاج، ويُخلون بيوتهم القريبة من المسجد الحرام لسكنى ضيوف الرحمن، بينما تنتقل العائلات إلى الضواحي. ومع تغيّر منظومة خدمة الحجيج وتطوّر العمران، تحوّلت العادة إلى صورتها الحالية التي تتمركز في ساحات الحرم.
الموروث المكي وموسم الحج
لا يقتصر الموروث الاجتماعي لمكة المكرمة في موسم الحج على “يوم الخُليف”، بل يمتد إلى عادات أخرى ترتبط بالاستعداد للعيد وضيافة الحجيج. ومن أبرز هذه العادات تجمّع النساء قبل أيام من العيد لعجن وصنع المعمول المحشوّ بالتمر، إلى جانب تجهيز أكلات شعبية مرتبطة بأيام الحج. ويُلاحظ أن “الخُليف” ينسجم مع المعنى العام لهذه العادات: مشاركة جماعية من أهل البلد في موسم لا يقتصر فيه الفعل الديني على الحاج وحده.
وتكتسب هذه العادة أهمية إضافية في الإطار الحضاري الذي توليه المملكة العربية السعودية للموروث الاجتماعي لمكة المكرمة، خصوصًا مع اهتمام الجهات الرسمية كهيئة التراث ودارة الملك عبدالعزيز بتوثيق العادات المكية المرتبطة بالحج. ولمن يرغب في عيش هذه الأجواء خارج موسم الحج، تتيح رحلات العمرة فرصة الاطلاع على المشهد الاجتماعي لأهل مكة والتعرّف عن قرب على موروثهم. وتُسهّل صفحة تأشيرة العمرة الإلكترونية عبر ويجو إجراءات استخراج التأشيرة لمن يخطط لزيارة الحرم بعد انتهاء موسم الحج.
ويصل معظم المعتمرين إلى مكة عبر مطار الملك عبدالعزيز الدولي في جدة، فيما تتوفر رحلات إضافية إلى مطار الملك خالد الدولي بالرياض لمن يبدأ رحلته من العاصمة السعودية. وتربط جدة بمدن الخليج والشرق الأوسط رحلات يومية على ناقلات مثل الخطوط الجوية العربية السعودية وطيران ناس وطيران أديل، إضافة إلى طيران الإمارات من دبي. وتزيد هذه الرحلات تواترًا قبل موسمَي الحج ورمضان لاستيعاب الطلب من معتمري دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن.
أسئلة شائعة
هل “يوم الخُليف” شعيرة دينية أم عادة اجتماعية؟
هي عادة اجتماعية مكية متوارثة، وليست شعيرة من شعائر الحج أو العمرة. لا يترتب على المشاركة فيها أو تركها أي حكم شرعي، بل هي تعبير ثقافي خاص بأهل مكة المكرمة.
هل يقتصر “يوم الخُليف” على نساء مكة فقط؟
تاريخيًا ومجتمعيًا، نعم؛ ترتبط العادة بنساء مكة المكرمة وأطفالها ممن لم يؤدّوا الحج هذا العام. غير أن النساء من المعتمرات أو الزائرات اللواتي يتصادف وجودهن في الحرم في هذا اليوم يشهدن المشهد ذاته داخل المسجد الحرام.
متى يوافق “يوم الخُليف” هذا العام؟
يوافق يوم الخُليف لعام 1447هـ يوم الثلاثاء 26 مايو 2026، باعتباره التاسع من ذي الحجة وفق تقويم أم القرى. وقد يتغيّر التاريخ الميلادي من عام لآخر تبعًا لإعلان الرؤية الشرعية لهلال ذي الحجة.
هل ترتبط بـ”يوم الخُليف” عادات أخرى؟
نعم؛ ترتبط به أنشودة “القيس” الشعبية التي تردّدها النساء للمتخلّفين عن خدمة الحجيج دون عذر، وهي أنشودة طريفة لا حكم ديني فيها. كما تتداخل العادة مع تجهيزات استقبال عيد الأضحى من حلويات شعبية كالمعمول.



