لم يعد تأهل تونس إلى بطولة كأس العالم لكرة القدم حدثا استثنائيا، فمنتخب “نسور قرطاج” واصل ترسيخ حضوره في العرس الكبير بحجز مقعده في المونديال، الذي يقام بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وأكد المنتخب التونسي مشاركته السابعة في تاريخ كأس العالم، والثالثة على التوالي، والخامسة في القرن الـ21.
ورغم أن جميع مشاركاته السابقة توقفت عند دور المجموعات، فإن تكرار الظهور في النسخ الأخيرة منح المنتخب التونسي خبرة وزخما كبيرين، يعول عليهما هذه المرة لتجاوز الحاجز الذي استعصى عليه، حين يحط الرحال في قارة أمريكا الشمالية هذا الصيف.
وأوقعت القرعة منتخب تونس في المجموعة السادسة بمرحلة المجموعات، برفقة منتخبات اليابان وهولندا والسويد.
ويستهل منتخب تونس مبارياته في المونديال بمواجهة منتخب السويد في 14 جوان القادم، على ملعب (مونتيري) في المكسيك، قبل أن يلعب ضد المنتخب الياباني بعدها بستة أيام على ذات الملعب، فيما يختتم الفريق لقاءاته بدور المجموعات بمواجهة من العيار الثقيل أمام منتخب هولندا على ملعب (كانساس سيتي) في 25 من الشهر نفسه.
وثبتت تونس أقدامها في طريق التأهل مبكرا، حيث أنهت التصفيات الأفريقية في صدارة مجموعته برصيد 28 نقطة من أصل 30 ممكنة.
اللافت أن المنتخب التونسي لم يستقبل أي هدف خلال مبارياته العشر التي لعبها بالتصفيات، في إنجاز استثنائي على الصعيد الدفاعي يعكس التنظيم والانضباط الذي تميز به الفريق خلال رحلة التأهل للمونديال.
وجاء الحسم الرسمي للصعود إلى كأس العالم في النافذة الدولية لشهر سبتمبر الماضي، عندما خطف محمد علي بن رمضان، لاعب الأهلي المصري، هدف الفوز في الوقت القاتل أمام غينيا الاستوائية ضمن الجولة الثامنة، ليؤكد عبور تونس إلى النسخة الأكبر من كأس العالم التي ستضم 48 فريقا.
ويشارك منتخب تونس للمرة السابعة بكأس العالم، بعدما سبق أن تواجد في المونديال أعوام 1978، 1998، 2002، 2006، 2018، 2022، لكنه لم يستطع تجاوز دور المجموعات.
وخلال مشاركاته السابقة في كأس العالم، خاض منتخب تونس 18 مباراة في البطولة، حقق خلالها 3 انتصارات و5 تعادلات في حين تكبد 10 هزائم، وسجل لاعبوه 14 هدفا، واستقبلت شباكه 25 هدفا.
وكان منتخب تونس الممثل الأفريقي الوحيد في نهائيات الأرجنتين عام 1978، وقدم آنذاك أفضل مشاركاته في كأس العالم رغم توقف مسيرته عند دور المجموعات في النهاية.
وفي مدينة روساريو، وأمام نحو 17 ألف متفرج، كتب “نسور قرطاج” صفحة خالدة في تاريخ كرة القدم الأفريقية بفوزهم 3 / 1 على المكسيك، ورغم تأخرهم في الشوط الأول بهدف من ركلة جزاء، انتفض المنتخب التونسي في الشوط الثاني ليقلب النتيجة إلى فوز بعد تسجيل ثلاثة أهداف حملت توقيع علي الكعبي ونجيب غميض ومختار ذويب.
وأشعل ذلك الانتصار حماس الجماهير ورفع سقف التطلعات قبل مواجهة منتخب بولندا في الجولة الثانية، حيث قدم الفريق أداء قويا رغم خسارته صفر / 1، حيث سجل لاتو هدف اللقاء الوحيد في نهاية الشوط الأول.
وفي الجولة الثالثة أمام منتخب ألمانيا الغربية، ظهر المنتخب التونسي بأداء بطولي وتمكن من فرض التعادل السلبي على بطل العالم في ذلك الوقت.
ورغم خروجه من دور المجموعات بعد احتلاله المركز الثالث خلف بولندا وألمانيا الغربية، فقد دونت الكتيبة التونسية حضورا تاريخيا وأصبحت أول منتخب أفريقي يحقق فوزا في نهائيات كأس العالم.
وفيما يتعلق بآخر مشاركة لتونس في كأس العالم، فقد كانت في النسخة الماضية التي استضافتها قطر عام 2022، حيث تواجد الفريق في مجموعة قوية ضمت فرنسا بطلة العالم، والدنمارك، وأستراليا.
وبعد تأهل صعب في التصفيات، لم يكن فريق المدرب المحلي جلال القادري مرشحا لتقديم مفاجآت، لكن لاعبو المنتخب التونسي أثبتوا العكس منذ المباراة الأولى عندما فرضوا التعادل السلبي على الدنمارك بملعب الريان أمام أكثر من 41 ألف متفرج.
وفي الجولة الثانية، على ملعب الجنوب في الوكرة، تلقى المنتخب التونسي خسارة مؤلمة صفر / 1 أمام أستراليا، لتتعقد حساباته في المجموعة، غير أن الفريق عاد ليصنع واحدة من أبرز لحظاته المونديالية، حين فاجأ فرنسا، التي كانت قد ضمنت تأهلها، بفوز تاريخي 1 / صفر حمل توقيع وهبي الخزري في الدقيقة 58.
ورغم هذا الانتصار المميز، فإنه لم يكن كافيا لعبور الدور الأول، بعدما حسمت أستراليا تأهلها بفوزها على الدنمارك، لتنهي تونس مشوارها في المركز الثالث برصيد أربع نقاط، لكنها غادرت البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي ترك أثرا طيبا لدى جماهيرها ومتابعيها حول العالم.
ومن بين 14 هدفا أحرزها المنتخب التونسي في نهائيات كأس العالم خلال ست مشاركات، كان نصيب وهبي الخزري ثلاثة أهداف، ليصبح الهداف التاريخي لـ”نسور قرطاج” في البطولة، وقد سجل بصماته في نسختي روسيا 2018 وقطر 2022.
وافتتح الخزري سجله التهديفي في مونديال روسيا أمام بلجيكا، حين تابع عرضية متقنة من حمدي النقاز ووضعها بلمسة واحدة في شباك تيبو كورتوا، قبل أن يعود في الجولة الأخيرة ليقود تونس إلى فوزها 2 / 1 على بنما بعد تمريرة من أسامة الحدادي.
أما هدفه الأجمل والأغلى فجاء بعد أربع سنوات في قطر، حين قاد بنفسه هجمة مرتدة انطلق فيها من بعد منتصف الملعب، وتوغل بثقة حتى حافة منطقة الجزاء، قبل أن يطلق تسديدة زاحفة خدعت الحارس ستيف مانداندا ومنحت تونس فوزا تاريخيا على فرنسا.
ويتقاسم نجما خط الوسط قيس الغضبان ورياض بوعزيزي صدارة قائمة أكثر اللاعبين تمثيلا لتونس في النهائيات العالمية، بعدما خاض كل منهما ثماني مباريات عبر ثلاث نسخ متتالية أعوام 1998 و2002 و2006.
ويأتي حاتم الطرابلسي في المرتبة التالية برصيد سبع مباريات خلال نفس المشاركات الثلاث، حسبما أفاد الموقع الإلكتروني الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا).
ولم ينجح المنتخب التونسي في تخطي دور المجموعات رغم حضوره المتكرر في النسخ الاخيرة من المسابقة، غير أن لحظاته الأيقونية التي ألهبت الجماهير وخطفت عناوين الصحف كانت حاضرة بقوة في أكثر من مناسبة.
ويعد الفوز على المكسيك في المونديال الأرجنتيني عام 1978 من أبرز تلك اللحظات، إذ جاء في الجولة الأولى ورفع سقف التوقعات لما يمكن أن يحققه الفريق لاحقا.
لكن الأهم من ذلك، أنه شكل نقطة تحول تاريخية، إذ أصبح أول انتصار لمنتخب أفريقي في نهائيات كأس العالم، فاتحا آفاقا جديدة للكرة الأفريقية على الساحة العالمية.
كما عاشت تونس مشهدا تاريخيا آخر في قطر 2022، عندما سجل وهبي الخزري هدف الفوز في شباك فرنسا، أحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب.
ورغم أن الانتصار لم يكن كافيا للعبور لمرحلة خروج المغلوب، فإنه صنع أجواء استثنائية في مدرجات ملعب المدينة التعليمية في الريان، مؤكدا روح المنافسة والإصرار التي تميز به المنتخب العربي.
ومن بين الانتصارات الثلاثة التي حققتها تونس في نهائيات كأس العالم، يبقى الفوز على المكسيك 3 / 1 في أولى مشاركاتها عام 1978 الأبرز، إذ كان الانتصار الوحيد الذي تحقق بفارق هدفين، والمباراة الوحيدة التي سجل فيها المنتخب التونسي ثلاثة أهداف.
ويعتبر هذا الإنجاز علامة فارقة لفريق المدرب عبد المجيد الشتالي، إذ صمد رقمهم القياسي هذا لأكثر من أربعة عقود دون أن يتم كسره.



