في جزيرة صغيرة قبالة سواحل فنزويلا، لا تتجاوز مساحتها 444 كيلومترا مربعا ويقطنها نحو 156 ألف نسمة فقط، لم يكن أحد يتخيل أن حلم كأس العالم قد يصبح أكثر من مجرد صورة عابرة على شاشة تلفاز.
كانت كوراساو، التابعة لمملكة هولندا، تعرف بأنها وجهة للشواطئ الفيروزية والغوص والسياحة، أما كرة القدم فكانت مجرد شغف محدود يعيشه أبناء الجزيرة في الظل، بعيدا عن أضواء الكبار، وسط اتحاد محلي غارق في أزمة مالية خانقة، ولاعبين يرفضون اللعب بسبب مستحقاتهم العالقة التي تراكمت بمئات آلاف من الدولارات.
لكن في مكان آخر، عبر المحيط وعلى بعد قارات، كان حارس مرمى مغربي سابق يرى ما لا يراه الآخرون، اسمه خالد سينوح. الرجل الذي صقلته الملاعب الهولندية منذ أن كان شابا في التاسعة عشرة من عمره مع هارلم، وتنقل بين هيرنفين، وأوتريخت، وأيندهوفن، وسبارتا روتردام.
لم يكتسب فقط خبرة حراسة المرمى والدفاع عن عرين “أسود الأطلس”، بل بنى شبكة علاقات عنكبوتية واسعة داخل أوساط اللاعبين المنحدرين من أصول مهاجرة، وأصبح يعرف جيدا كيف يتحدث إلى المواهب مزدوجة الهوية، وكيف يقنعها بأن تمثل جذورها قبل أن تضيع في زحام المنافسة داخل المنتخبات الأوروبية الكبرى.
حين عين سينوح مديرا فنيا لاتحاد كوراساو في 15 جانفي 2024، لم يكن المشروع يبدو قابلا للحياة، حتى فكرة الحديث عن المونديال بدت أقرب إلى الخيال.
لكنه تحول إلى رجل إطفاء للأزمات ومفاوض بارع، ساهم في إيجاد رعاة لتجاوز الاختناق المالي وتأمين الجوانب اللوجستية، وكان بحاجة إلى جنرال يمنح المشروع مصداقية فورية، فوقع اختياره على الثعلب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات وتولى بنفسه إقناعه بقيادة الدفة الفنية، في خطوة اعتبرت نقطة التحول الأساسية.
ثم بدأ العمل الأكثر تعقيدا… اتصالات هاتفية لا تنتهي ولقاءات فردية لإقناع لاعبين ولدوا وترعرعوا في أوروبا بأن يرتدوا قميص الجزيرة، لينجح في استقطاب أسماء رنانة مثل تاهيث تشونج، وأرماندو أوبيسبو، وجوشوا برينيت، وأرياني مارثا، ورايفن روزاريو، واضعا اللبنات الأولى لفريق يمزج بين أبناء الجزيرة وأبناء الشتات.
المفارقة الدرامية أن الرجل الذي هندس هذا الحلم لم يبق طويلا لرؤية ثماره، فبعد 144 يوما فقط من تعيينه، وفي 6 جوان 2024، أعلن الاتحاد انتهاء العلاقة بين الطرفين بسبب اختلاف في الرؤية حول إدارة المشروع.
رحل سينوح بجسده، لكن الهيكل الذي وضعه بقي قائما، والمدرب الذي اختاره واصل المهمة، والفكرة التي زرعها واصلت النمو بصمت في وجدان اللاعبين، ليتحقق المستحيل في 18 نوفمبر 2025 حين انتزع منتخب كوراساو بطاقة التأهل التاريخية إلى مونديال 2026، كأصغر دولة من حيث عدد السكان تبلغ النهائيات في تاريخ البطولة.
في تصريحاته عقب التأهل، أعرب خالد سينوح عن فخره بالمساهمة في تحقيق هذا الإنجاز. وأكد أن تأهل كوراساو إلى كأس العالم 2026 لم يكن مصادفة، بل نتيجة لمشروع رياضي شامل يركز على تطوير اللاعبين وبناء فريق قادر على منافسة المنتخبات الأكثر خبرة والأفضل أداءً.
فجأة، أصبحت كوراساو حديث العالم، وتحول تأثير كرة القدم من المستطيل الأخضر إلى أداة دبلوماسية واقتصادية. فبينما كان اللاعبون يتصببون عرقا في التدريبات، استغلت الحكومة هذه اللحظة التاريخية لتنظيم مؤتمرات استثمارية في مدن المونديال مثل كانساس سيتي الأمريكية، لجذب كبريات الشركات العالمية مثل “توتال” و”إيبسون”.
وقف وزير التنمية الاقتصادية رودريك ميدلهوف ليعلن بنبرة ملؤها الفخر أن كوراساو أصبحت على المسرح الدولي، وأن ميناءها العميق جاهز ليكون مركزا لوجستيا عالميا للطاقة والتجارة، وليس مجرد وجهة سياحية تبحث عن مليون زائر سنويا.
اشتعلت محركات البحث على “جوجل”، وارتفعت أسهم الجزيرة في منصات التواصل الاجتماعي، وبات الجميع يتساءل عن تلك البقعة الصغيرة التي تحدت كبار العالم.
في المعترك المونديالي، كانت المواجهة قاسية، إذ وضعت القرعة الجزيرة في مجموعة ضمت ألمانيا والإكوادور وكوت ديفوار.
ورغم تجرع خسارة ثقيلة أمام الماكينات الألمانية بنتيجة 7 / 1، رفضت كوراساو أن تكون مجرد ضيف عابر، ففي المباراة التالية بمدينة كانساس سيتي، كتب الحارس إلوي روم صفحة أخرى من الأسطورة بعدما تصدى لـ15 كرة أمام الإكوادور، محققا رقما قياسيا في تاريخ كأس العالم ليقود بلاده إلى تعادل سلبي تاريخي وأول نقطة مونديالية.
قد لا يتذكر كثيرون تفاصيل الخلافات الإدارية التي أبعدت خالد سينوح عن منصبه، وقد لا يظهر اسمه في الصور الجماعية للاحتفالات، لكن خلف هذه الحكاية التي بدأت في جزيرة صغيرة وانتهت تحت أضواء كأس العالم، يبقى الحارس المغربي السابق واحدا من الرجال الذين صدقوا المستحيل قبل الآخرين.
ففي كرة القدم، كما في الحياة، لا يكتب التاريخ فقط أولئك الذين يرفعون الكأس أو يخوضون المباريات، أحيانا، يكتبه أيضا من يزرعون الفكرة الأولى، ويغادرون قبل أن يكتشف العالم أن الحلم كان حقيقيا بالفعل.



