لم يكن خروج منتخب أوروغواي من كأس العالم 2026 مجرد نهاية مخيبة لمسيرة أحد أعرق منتخبات أمريكا الجنوبية، بل تحول إلى مناسبة كشفت عن صدام هادئ بين عالمين مختلفين.
ومن بين عشرات الملاحظات التي أطلقها المدرب الأرجنتيني المخضرم مارسيلو بييلسا في مؤتمره الصحفي الوداعي الطويل، برز اعتراف لافت بدا وكأنه يتجاوز حدود المستطيل الأخضر ليعكس تحولا أعمق في طريقة تلقي المعرفة والتواصل بين الأجيال.
وكشف الرجل المعروف في عالم كرة القدم بلقب “المجنون” بسبب هوسه بالتفاصيل وتحليله الذي لا يترك صغيرة أو كبيرة، أن لاعبي أوروغواي طلبوا منه تقليص الاجتماعات الفنية وتخفيف كمية المعلومات التي يقدمها لهم.
وقال إن أول ما أخبره به اللاعبون هو أنهم يتلقون كما هائلا من المعلومات، الأمر الذي دفعه إلى خفض المحتوى إلى أكثر من النصف، قبل أن يعودوا لاحقا ويطلبوا المزيد من الاختصار والتباعد بين الجلسات حتى لا يتحول التركيز إلى عبء ذهني.
ولخص بييلسا هذا الصراع المعرفي الصامت داخل غرف الملابس بقوله: “لقد عقدت اجتماعات مع اللاعبين لكي يخبروني بما لم يعجبهم في طريقة عملي. وكان أول شيء قالوه لي هو وجود فائض في المعلومات، ولذلك قمت بتقليص كل شيء إلى أقل من النصف”.
وبالنسبة لبييلسا، الذي بنى أسطورته التدريبية على التحليل الدقيق ومراجعة كل حركة وكل تمريرة، لم يكن الأمر مجرد ملاحظة تقنية.
ولقد بدا وكأنه اكتشاف متأخر لحقيقة أن العالم الذي صنعه لم يعد موجودا بالشكل نفسه. فالرجل الذي كان يقضي ساعات طويلة في شرح الأفكار التكتيكية للاعبيه وجد نفسه أمام جيل يفضل الرسائل القصيرة والعروض المختصرة ومقاطع الفيديو السريعة.
وربما لم يكن من قبيل المصادفة أن يأتي هذا الاعتراف في عصر باتت فيه منصات مثل “تيك توك”، و”إنستغرام ريلز” و”يوتيوب شورتس” تعيد تشكيل أنماط الانتباه والاستهلاك المعرفي لدى مئات الملايين من الشباب حول العالم. فخلال العقد الأخير ظهر مصطلح “اقتصاد الانتباه” ليصبح أحد أكثر المفاهيم تداولا في علم النفس والإعلام والتسويق. وفي هذا الاقتصاد الجديد لم تعد الشركات تتنافس على المال فقط، بل على ثوان معدودة من تركيز المستخدم.
وتقوم فلسفة معظم المنصات الرقمية الحديثة على مبدأ بسيط يتجلى في تقديم أكبر قدر ممكن من المحتوى في أقصر وقت ممكن. بلمسة أصبع واحدة ينتقل المستخدم من فيديو إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، ومن معلومة إلى أخرى، في تدفق لا ينتهي. ومع الوقت أصبح الدماغ معتادا على المكافآت السريعة والتجديد المستمر، وهو ما دفع عددا من الباحثين إلى التحذير من تراجع القدرة على التركيز العميق لفترات طويلة، خاصة لدى الأجيال التي نشأت داخل هذا العالم الرقمي.
ولا تقتصر آثار هذه الظاهرة على الشبكات الاجتماعية، ففي عالم الأعمال اضطرت شركات كبرى إلى إعادة تصميم اجتماعاتها الداخلية وعروضها التقديمية لتصبح أقصر وأكثر مباشرة. وأصبح الحديث عن دقائق الانتباه الأولى جزءا أساسيا من أدبيات الإدارة الحديثة، حيث يسعى المدراء إلى إيصال الرسائل الأساسية في بداية الاجتماع قبل أن يتراجع مستوى التركيز.
أما في الجامعات والمدارس، فقد وجد كثير من الأساتذة أنفسهم أمام تحد مشابه. فالمحاضرات الطويلة التي كانت تستمر ساعة أو ساعتين دون انقطاع بدأت تفسح المجال لأساليب تعليم تعتمد على تقسيم المحتوى إلى وحدات قصيرة واستخدام المواد البصرية والتفاعل المستمر للحفاظ على انتباه الطلاب. بل إن بعض المؤسسات التعليمية تبنت ما يعرف بالتعلم المصغر، حيث تقدم المعلومات في جرعات صغيرة ومتتابعة بدلا من الدروس التقليدية المطولة.
وفي عالم الإعلام نفسه، لم تعد الصحف والقنوات بمنأى عن هذه التحولات. فالعناوين أصبحت أقصر، والمقاطع المصورة أسرع، والمنافسة على جذب القارئ أو المشاهد خلال الثواني الأولى أشد من أي وقت مضى. المؤسسات الإعلامية العريقة نفسها باتت تنتج نسخا مختصرة من محتواها خصيصا للمنصات الرقمية التي يهيمن عليها الشباب.
هذه الزاوية تبدو قصة ببيلسا أقل ارتباطا بكرة القدم وأكثر ارتباطا بعصر كامل يعيد تعريف العلاقة بين المرسل والمتلقي. فالمدرب الأرجنتيني يمثل جيلا تشكل على القراءة المطولة والمشاهدة التحليلية والصبر على التفاصيل. أما كثير من لاعبيه فينتمون إلى جيل نشأ وسط سيل لا ينقطع من الإشعارات والمقاطع القصيرة والمحتوى المتجدد باستمرار.
المفارقة أن بييلسا لم يواجه هذا الواقع بالمواجهة أو العناد، بل أكد أنه استجاب للمطالب، فاختصر الاجتماعات إلى دقائق معدودة وقسم المواد التقنية إلى أجزاء أقصر. وتجلى هذا التنازل التكتيكي الصادم في كواليس ما قبل الوداع المونديالي، حيث قال بييلسا: “قبل مباراتنا ضد إسبانيا، طلبوا مني أن أتناول بعض الأمور بشكل مختلف لأن المعلومات تسبب لهم ارتباكا وتغمرهم بشكل زائد. لقد أخذت تلك الأمور بعين الاعتبار، وقمت بتقليص الرسائل والمحاضرات بحيث لم تعد تتجاوز 10 دقائق، وجعلتها أكثر وضوحا وسهولة في الاستيعاب… ولكن ذلك لم ينجح، فقررت التوقف عن ذلك”.
كما قبل بييلسا مطالب أخرى تتعلق بطريقة التدريبات اليومية سعيا إلى تعزيز الانسجام داخل المجموعة. غير أن كل تلك التنازلات لم تمنع المنتخب من مغادرة البطولة مبكرا، لتبقى الأسئلة معلقة حول الحدود الفاصلة بين التكيف مع متطلبات الجيل الجديد والحفاظ على جوهر العمل الفني الذي يؤمن به المدرب.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها التباين بين مدربي المدرسة القديمة ولاعبي العصر الرقمي. فقد تحدث البرتغالي جوزي مورينيو أكثر من مرة عن تغير طبيعة اللاعبين مقارنة ببداياته التدريبية، بينما أقر الإيطالي كارلو أنشيلوتي بأن إدارة غرف الملابس الحديثة تتطلب فهما نفسيا واجتماعيا لا يقل أهمية عن المعرفة التكتيكية.
لهذا ربما تجاوزت أهمية تصريحات بييلسا حدود نتائج أوروجواي في المونديال. فهي لم تكن مجرد اعتراف بفشل رياضي، بل شهادة من أحد أبرز منظري كرة القدم الحديثة على أن اللعبة تعيش التحولات نفسها التي تشهدها المدارس والشركات والجامعات ووسائل الإعلام.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الذي طرحه بييلسا من دون أن يقصده أكثر أهمية من مصير منتخب أوروجواي نفسه. هل ينبغي لأصحاب الخبرة أن يختصروا رسائلهم باستمرار لمواكبة إيقاع العصر، أم أن المجتمعات الحديثة مطالبة باستعادة فضيلة التركيز الطويل والتأمل العميق؟
وبين هذين الخيارين، تبدو قصة بييلسا مع لاعبيه أقل ارتباطا بخروج من كأس العالم، وأكثر ارتباطا بقصة جيل كامل يحاول التعايش مع عالم بات يختصر كل شيء في ثوان معدودة.



