تتجه أنظار عشاق كرة القدم مساء يوم غد الثلاثاء إلى مدينة دالاس الأمريكية، حيث يلتقي المنتخبان الفرنسي والإسباني في مواجهة من العيار الثقيل في الدور نصف النهائي لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 ، في مباراة تعتبر نهائي مبكر.
وسينتظر الفائز من هذه المواجهة في المباراة النهائية المقرر إقامتها يوم 19 جويلية، الفائز من مباراة الدور قبل النهائي الأخرى التي تجمع بين المنتخبين الأرجنتيني والإنجليزي.
ويحمل اللقاء أبعادا تاريخية عديدة، حيث يسعى المنتخب الفرنسي إلى بلوغ نهائي كأس العالم للمرة الثالثة على التوالي، وهو إنجاز لم يحققه في تاريخ البطولة سوى منتخبي ألمانيا والبرازيل، بينما يتطلع المنتخب الإسباني إلى استعادة أمجاد مونديال 2010، وبلوغ النهائي للمرة الثانية في تاريخه بعد غياب دام 16 عاما.
ودخل منتخب فرنسا البطولة كأحد أبرز المرشحين للتتويج باللقب، ونجح حتى الآن في تأكيد هذه التوقعات من خلال أداء هجومي قوي ونتائج مقنعة. وحقق “الديوك” العلامة الكاملة بالفوز في جميع مبارياتهم الست، ليتصدروا المجموعة التاسعة، قبل أن يتجاوزوا السويد وباراغواي ثم المغرب في الأدوار الإقصائية.
وسجل المنتخب الفرنسي 16 هدفا، ليصبح من أقوى خطوط الهجوم في البطولة، بفضل التألق اللافت للثنائي كيليان مبابي وعثمان ديمبلي، إضافة إلى الإبداع الذي يقدمه مايكل أوليسيه بين الخطوط.
وفي الدور الماضي، واجهت فرنسا اختبارا صعبا أمام المغرب، ورغم إهدار مبابي ركلة جزاء في الشوط الأول، فإنه عاد ليفتتح التسجيل بهدف رائع، قبل أن يصنع الهدف الثاني لديمبلي، ليحسم منتخب بلاده بطاقة التأهل إلى الدور قبل النهائي.
ويتميز المنتخب الفرنسي هذا العام بمرونة هجومية كبيرة، حيث يعتمد ديدييه ديشان على رباعي هجومي سريع ومتنوع، يتكون من مبابي وديمبلي وأوليسيه، بينما يتنافس كل من برادلي باركولا وديزيريه دويه على المقعد الرابع في الخط الأمامي.
ويدرك ديشان أن هذه البطولة تمثل الفصل الأخير في مسيرته مع المنتخب الفرنسي، بعدما أعلن أنها ستكون آخر بطولة له على رأس الجهاز الفني عقب 14 عاما من النجاح والاستقرار.
وخلال هذه المسيرة، قاد ديشان فرنسا للتتويج بكأس العالم 2018، والوصول إلى نهائي نسخة 2022، كما سبق له أن حمل الكأس قائدا للمنتخب في مونديال 1998 إضافة إلى لقب دوري أمم أوروبا في عام 2021، وفضية يورو 2016 ومونديال 2022 وبرونزية دوري الأمم في 2025.
وسيخوض المدرب الفرنسي أمام إسبانيا مباراته رقم 26 في كأس العالم، لينفرد بالرقم القياسي كأكثر مدرب يقود منتخبا في مباريات المونديال، متجاوزا الأسطورة الألمانية هيلموت شون.
وتصب الأرقام التاريخية أيضا في صالح فرنسا، حيث نجح في تجاوز آخر أربع مباريات خاضها في قبل نهائي كأس العالم، وفاز في آخر ثلاث منها دون أن تستقبل شباكه أي هدف.
كما أن المواجهة الوحيدة بين فرنسا وإسبانيا في كأس العالم انتهت بفوز فرنسي 3 / 1، بعدما قلب “الديوك” تأخرهم إلى انتصار قبل نحو عقدين.
ورغم أن المنتخب الإسباني لم يقدم العروض الهجومية الكاسحة التي ظهر بها في بطولة أوروبا 2024، فإنه أثبت امتلاكه شخصية البطل، بعدما تجاوز مباريات معقدة بفضل قوته الدفاعية وقدرته على الحسم في الأوقات الصعبة.
وتصدر المنتخب الإسباني مجموعته، ثم تخطى النمسا بسهولة، قبل أن يطيح بالبرتغال بفضل هدف متأخر من البديل ميكيل ميرينو، الذي عاد ليكرر السيناريو نفسه أمام بلجيكا في دور الثمانية، عندما سجل هدف الفوز القاتل قبل نهاية الوقت الإضافي.
وبات ميرينو أول لاعب في تاريخ كأس العالم يسجل هدف الفوز في مباراتين متتاليتين بالأدوار الإقصائية بعد نزوله بديلا، ليؤكد قيمته الكبيرة كورقة رابحة في تشكيلة المدرب لويس دي لا فوينتي.
ورغم أن سلسلة الحارس أوناي سيمون التاريخية بالحفاظ على نظافة شباكه في ست مباريات بكأس العالم توقفت أمام بلجيكا، فإن الدفاع الإسباني لا يزال أحد أبرز نقاط القوة، بعدما قدم مستويات ثابتة طوال البطولة.
وإذا كانت فرنسا تتسلح بالتاريخ في كأس العالم، فإن إسبانيا تمتلك أفضلية واضحة في المواجهات المباشرة الحديثة.
فقد فاز المنتخب الإسباني بسبع من آخر عشر مباريات جمعته بفرنسا، وكان آخر انتصارين يحملان أهمية خاصة، الأول بنتيجة 2 / 1 في نصف نهائي بطولة أوروبا 2024، قبل أن يواصل طريقه نحو اللقب، والثاني بنتيجة 5 / 4 في قبل نهائي دوري الأمم الأوروبية العام الماضي 2025.
وشهدت المباراة الأخيرة تألق لامين يامال بتسجيله هدفين، بينما أضاف ميكيل ميرينو هدفً آخر، رغم نجاح مبابي في التسجيل من ركلة جزاء.
وستكون الأنظار موجهة نحو كيليان مبابي، الذي يتصدر سباق الحذاء الذهبي برصيد ثمانية أهداف، ويأمل في قيادة منتخب بلاده نحو النهائي، رغم تعرضه لالتواء بسيط في الكاحل خلال مباراة المغرب.
وتشير التقارير إلى أن قائد فرنسا سيكون جاهزا للمشاركة، ليجدد شراكته الهجومية مع عثمان ديمبلي، الفائز بالكرة الذهبية، حيث صنع اللاعبان 19 فرصة لبعضهما البعض خلال البطولة، في مؤشر واضح على الانسجام الكبير بينهما.
وفي المقابل، يعول المنتخب الإسباني على جماعية الأداء أكثر من اعتماده على نجم واحد، رغم امتلاكه العديد من الأسماء المؤثرة.
وسيقود ميكيل أويارزابال الخط الأمامي بعدما سجل أربعة أهداف في البطولة، بينما يواصل لامين يامال شغل مركز الجناح الأيمن، في حين ينافس كل من فيران توريس ونيكو ويليامز وييريمي بينو على مكان في التشكيل الأساسي.
كما يمتلك دي لا فوينتي وفرة كبيرة في خط الوسط، مع وجود بيدري وميكيل ميرينو وداني أولمو وفابيان رويز، وهو ما يمنحه خيارات عديدة لمواجهة القوة البدنية الفرنسية.
ربما يكون خط الوسط هو مفتاح الفوز في هذه المباراة، حيث يعتمد المنتخب الفرنسي على القوة البدنية والضغط العالي، بينما يفضل المنتخب الإسباني الاستحواذ وتدوير الكرة والبحث عن المساحات.
ومن المنتظر أن يستعيد أوريلين تشواميني جاهزيته بعد تعافيه من إصابة في الفخذ، بينما تبدو إصابة مانو كوني في الركبة غير مقلقة، وهو ما يمنح ديشان خيارات إضافية في منطقة الارتكاز.
أما المنتخب الإسباني، فيمتلك تشكيلة متوازنة تجمع بين المهارة والقدرة على الاحتفاظ بالكرة، مع وجود لاعبين يجيدون صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة، وعلى رأسهم بيدري وأولمو وميرينو.
ويصعب ترشيح طرف على حساب الآخر في واحدة من أقوى مباريات البطولة، ففرنسا تمتلك أقوى هجوم وأكثر اللاعبين حسما، بينما تتميز إسبانيا بالتنظيم والانضباط الدفاعي والخبرة في التعامل مع المباريات الكبرى.
وستشهد المواجهة أيضا صراعا تكتيكيا مثيرا بين ديشان، أحد أنجح المدربين في تاريخ كأس العالم، ولويس دي لا فوينتي، الذي قاد إسبانيا إلى طفرة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وحقق الفوز في 12 من أصل 13 مباراة له في البطولات الكبرى.



