في أول خروج إعلامي له منذ نهاية تجربته العاصفة والمثيرة للجدل مع المنتخب الوطني التونسي، فتح المدرب الفرنكو-تونسي صبري اللموشي قلبه للإعلامي الفرنكو-جزائري إسماعيل بوعبد الله في بودكاست “كامبو” (Campo). الحوار جاء حاملاً للكثير من الحقائق والاعترافات الصادمة حول كواليس مشاركة تونس في كأس العالم 2026، وظروف إقالته السريعة والدراماتيكية بعد مباراة واحدة فقط ضد السويد، كاشفاً عن كواليس غامضة، وأزمات لوجستية، وغياب للاستقرار الإداري والفني داخل كواليس الجامعة التونسية لكرة القدم.
“خيار القلب.. مغامرة خطيرة”
استهل اللموشي حديثه بنبرة يملؤها الهدوء الممزوج بالمرارة، معترفاً بأن تدريب تونس كان التحدي الأجمل في مسيرته، لكنه انتهى بطريقة عنيفة:
“أنا لست ميتاً، ما زلت على قيد الحياة. نعم، كانت ملحمة المونديال قاسية وعنيفة ولم تكن تسير وفق ما خططنا له، لكن هناك ما هو أسوأ في الحياة. أشعر بأسف شديد تجاه الجماهير التونسية التي لم تكن تتخيل سيناريو كهذا”.
وأوضح اللموشي أنه لم يتردد للحظة واحدة عندما تلقى اتصالاً من نائب رئيس الجامعة التونسية في مطلع عام 2026، عقب خروج المنتخب من كأس أمم إفريقيا بالمغرب:
“لقد فوجئت بالاتصال. وقّعت على عقدي في غضون ساعات دون مناقشة أو تفاوض على أي بند مالي. كانت لدي رغبة جامحة في القدوم وتقديم شيء لبلدي. لكنني تعلمت درساً قاسياً: خيار القلب دائماً ما يكون خياراً خطيراً”.
فوضى العقود وإقالة عبر “تغريدة” حُذفت سريعاً!
فجّر اللموشي مفاجأة من العيار الثقيل بخصوص كواليس توقيع عقده مع الجامعة التونسية لكرة القدم؛ حيث كشف أنه وقّع العقد من طرفه في منتصف يناير 2026، إلا أن الجامعة لم توقّع وتسلّمه نسخته الرسمية إلا بعد نهاية معسكر مارس الشهير في تورونتو (بعد الفوز على هايتي والتعادل مع كندا). وعلق على ذلك قائلاً:
“قال لي أحد أفراد طاقمي الفني: لحسن الحظ أننا بدأنا بشكل جيد، لو تعثرنا في مارس لربما أنهوا علاقتهم بنا فوراً ولم يوقعوا العقد. هذه هي المعضلة؛ لا يمكن بناء كرة قدم على مستوى عالٍ تحت تأثير ضغط وسائل التواصل الاجتماعي وبناءً على ردود الفعل اللحظية”.
أما عن كواليس يوم الإقالة بعد الخسارة أمام السويد في مدينة مونتيري المكسيكية، فوصفها اللموشي بـ “السيناريو العبثي”:
“قبل المباراة بيوم واحد، جاءني نائب الرئيس والمدير الرياضي لتهنئتنا على العمل الرائع، وأكدوا لنا رغبتهم في مواصلة المشروع بوجود عقد يمتد لعامين إضافيين للتحضير لكأس إفريقيا القادمة، مهما كانت نتيجة مباراة السويد. وبعد 24 ساعة فقط، وجدت نفسي في الطائرة!”
وأضاف كاشفاً تفاصيل الصباح الأخير له في مقر الإقامة:
“استيقظت باكراً لأجد 27 مكالمة فائتة من زوجتي وأولادي وأصدقائي. أخبروني أن الجامعة نشرت تغريدة تعلن فيها إقالتي ثم قامت بحذفها لاحقاً. عندما سألتهم، نفوا وجودها تماماً، لكني صدقت طاقمي الذي جاء يطرق باب غرفتي معلناً نهاية الرحلة قبل حتى أن نذهب للتدريب”.
غياب الاستقرار: “نحتاج إلى سحرة.. لا مدربين”
انتقد صبري اللموشي بشدة غياب الاستقرار الإداري والفني داخل منظومة الكرة التونسية، مقارناً إياها بالاستقرار الذي تعيشه منتخبات الجوار الإقليمي:
“منذ تحقيق تونس لكأس أمم إفريقيا عام 2004 مع روجيه لومار، تداول على تدريب المنتخب نحو 21 مدرباً في 22 عاماً، بل إننا شهدنا تغيير 7 مدربين في ظرف سنتين فقط! في ظل هذه الظروف، تونس لا تحتاج إلى مدربين.. بل تحتاج إلى سحرة لتغيير الواقع”.
رحلة النمسا والبلجيك الكارثية: “عالقون في المطار وشوارع فيينا”
تطرق اللموشي إلى تفاصيل الأزمة اللوجستية الخانقة التي سبقت انطلاق المونديال بـ 12 يوماً فقط، والتي اعتبرها “المنعرج الحقيقي” لاهتزاز ثقة اللاعبين وتشتت تركيزهم.
فعقب خوض مباراة النمسا الودية، تقرر السفر إلى بلجيكا في الثاني من يونيو، لكن إضراباً للمراقبين الجويين ألغى الرحلة بعد انتظار دام 5 ساعات في المطار. يروي اللموشي:
“اضطررنا للنوم في فندق صغير جداً قرب المطار، ولم نكن نملك غرفاً كافية فنام اللاعبون مثنى وثلاث في غرف ضيقة. والأسوأ أن المعدات الطبية وأجهزة الاستشفاء أرسلت مسبقاً براً عبر الحافلة إلى بلجيكا، مما حرم اللاعبين من العلاج والتدليك. وجدنا أنفسنا نتسكع في شوارع فيينا، وفي تلك اللحظة تملكت اللاعبين حالة إحباط شديدة وعقدوا اجتماعاً مع الإدارة لم أكن حاضراً فيه. هناك شعرت أننا لسنا ذاهبين لخوض كأس عالم”.
وحول الهزيمة القاسية بخماسية أمام بلجيكا وضح قائلاً:
“أشركت تشكيلة احتياطية للحفاظ على 6 ركائز أساسية لمواجهة السويد (مثل حنبعل، بن سليمان، كشريدة، فاليري، العابدي). كنا متأخرين 2-0 حتى الساعة الأولى، وقبل أن أجري ثلاثة تبديلات، انزلق إسماعيل الغربي وتلقى بطاقة حمراء قاسية غيرت مجرى المباراة لنلعب بنقص عددي أمام بلجيكا القوية وسط جماهيرها”.
الفارق الشاسع مع المغرب والجزائر
وفي مقارنة صريحة مع بقية المنتخبات المغاربية، أشار اللموشي إلى أن تونس تراجعت بشكل كبير تنظيمياً وبنيوياً:
“قبل 20 عاماً، كانت تونس تسبق المغرب بمراحل. اليوم، المغرب لم يتفوق على تونس فحسب، بل تفوق على إفريقيا بأسرها بفضل الاستثمار والمنشآت ومركز ‘معمورة’ (مركب محمد السادس) الذي يضاهي أرقى الأندية العالمية. لهذا السبب يختار اللاعبون ذوو الجنسية المزدوجة تمثيل المغرب كخيار أول وبقناعة تامة، وليس كخيار بديل”.
وكشف اللموشي في المقابلة بالتأكيد على أنه يتحمل نصيبه من المسؤولية كمدرب، مشيراً إلى أنه حاول تقديم خبرته وجلب دماء شابة جديدة للمنتخب والتخطيط لعملية انتقال الأجيال، لكن “سوء التوقيت” وغياب الصبر والدعم الإداري عجّلا بنهاية مشروع لم يكتب له أن يبدأ.



