اختار مهرجان قرطاج الدولي في دورته الستين أن يفتتح تاريخه الجديد بعرض لا يحتفي بصاحبه بقدر ما يحتفي بفكرة كاملة. في عرض “تحت الياسمين”، لم يقدم صابر الرباعي حفلا تقليديا مبنيا على استعراض الرصيد الجماهيري، بل شيّد رؤية موسيقية جعلت من الأغنية التونسية محور السهرة، ومن تداول الأجيال خطابها الأساسي.
تميز العرض بوضوح تصوره الفني منذ البداية. فالكلمة الافتتاحية لم تكن مجرد تحية للجمهور، وإنما وضعت الإطار الفكري للعمل، القائم على الوفاء للذاكرة والانفتاح على المستقبل. والأهم أن هذه الفكرة لم تبق شعارا، بل تجسدت في بنية العرض من خلال تقاسم الركح مع أصوات تنتمي إلى تجارب ومدارس مختلفة، في محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة الاستمرارية داخل المشهد الغنائي التونسي.
ولعل أبرز ما نجح فيه صابر الرباعي هو مقاومة منطق الفرجة الذي بات يهيمن على العروض الكبرى. فقد بقيت الموسيقى هي العنصر المركزي، بينما جاءت الصورة والمؤثرات البصرية في خدمة الأغنية لا بديلا عنها. كما حافظت التوزيعات التي قادها المايسترو قيس المليتي على توازن دقيق بين الطابع الأوركسترالي وروح الأعمال الأصلية، دون الوقوع في المبالغة أو الاستعراض التقني.
ولم يكن حضور الضيوف قائما على منطق المفاجأة، بل أدى وظيفة جمالية داخل البناء العام. فقد تحول استحضار ذكرى محمد إلى لحظة وفاء لذاكرة الأغنية التونسية، بينما جسد لقاء لطفي بوشناق وصابر الرباعي فكرة انتقال التجربة بين جيلين أسهما، كل بطريقته، في تشكيل الوجدان الموسيقي التونسي. وفي المقابل، جاء منح المساحة لأصوات شابة مثل بثينة النبولي ومحمد علي شبيل تجسيدا عمليا لفكرة تسليم المشعل، لا مجرد إعلان نوايا.
ورغم هذا التماسك، لم يخل العرض من بعض الاختلالات. فقد أدى تعدد الضيوف أحيانا إلى تفكيك الإيقاع الدرامي، كما بدا حضور الشاب خالد، على نجاحه الجماهيري، أقرب إلى استجابة لمنطق الاحتفال منه إلى امتداد طبيعي للرؤية التي أعلنها العرض منذ بدايته، وهي الاحتفاء بالأغنية التونسية بوصفها بطلة السهرة.
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للعمل، الذي نجح في تقديم افتتاح يختلف عن منطق الحفلات الاستعراضية المعتاد. فقد راهن “تحت الياسمين” على الذاكرة دون الارتهان إليها، وعلى الأصوات الجديدة دون إقصاء الأسماء المؤسسة، ليؤكد أن الاحتفاء الحقيقي بتاريخ مهرجان قرطاج لا يكون باستعادة الماضي فقط، بل بإنتاج لحظة فنية قادرة على وصل ما انقطع بين الأجيال.



