تحت أضواء كاشفة وبين أرقام متراقصة على الشاشات الرقمية، وقف وزير الاقتصاد والتخطيط في قصر المؤتمرات بالعاصمة يوم السبت 17 ماي 2025، معلناً عن نتائج أول تعداد رقمي في تاريخ تونس. خلفه، خريطة ملونة تكشف عن 11.972.169 تونسي، بزيادة 989.415 نسمة خلال عقد، لكن الأرقام الجافة تخفي وراءها حكايات إنسانية وتفاوتات جهوية صارخة.
جغرافيا الأمية: الفجوة التي لم تُردم
تكشف أرقام التعداد أن 17.3% من التونسيين (10+ سنوات) ما زالوا أميين في 2024، رغم انخفاض النسبة عن 19.3% المسجلة في 2014. لكن المثير للقلق هو الفجوة الجندرية والجهوية التي تفضحها الأرقام. فبينما تبلغ نسبة الأمية بين الذكور 12%، ترتفع إلى 22.4% بين الإناث، مما يعكس استمرار التمييز الجنسي في الحق بالتعليم.
الصورة تزداد قتامة عند النظر إلى التوزيع الجغرافي للأمية:
- الإقليم الأول (بنزرت، باجة، جندوبة، الكاف): 22% نسبة الأمية، مع ارتفاع مذهل في جندوبة (28.5%) وباجة (22.9%)
- الإقليم الثاني (تونس الكبرى، نابل، زغوان): 13% فقط، مع انخفاض قياسي في بن عروس (10.1%)
- الإقليم الثالث (سوسة، المنستير، المهدية، القيروان، القصرين، سليانة): 19.4%، مع تفاوت صارخ بين المنستير (11.1%) والقيروان (27.9%)
الأرقام الأكثر صدمة تظهر في نسبة الأمية بين النساء في المناطق الداخلية: 36.5% في جندوبة، 34.7% في القصرين، و34.9% في سيدي بوزيد، وهي نسب تقارب ضعف المعدل الوطني.
الساحل يبتلع الداخل: معادلة التركز السكاني
يكشف التعداد عن استمرار نزيف سكاني من الداخل نحو الساحل، حيث يتركز 59.1% من سكان تونس في الإقليمين الثاني والثالث (تونس الكبرى والساحل الشرقي). الأكثر إثارة للقلق هو تسجيل نمو سكاني سلبي في ولايتي الكاف وسليانة، حيث فقدت الأولى 5.475 نسمة خلال عشر سنوات.
بينما شهدت أريانة وبن عروس نمواً بأكثر من 90 ألف نسمة لكل منهما، تعاني مناطق الشمال الغربي والجنوب من تهميش سكاني مزمن. هذا التوزيع غير المتوازن يعكس فشل سياسات التنمية الجهوية على مدى عقود، ويكرس “تونسين” متباينتين: ساحلية مزدهرة وداخلية مهمشة.
التعليم والتغطية الاجتماعية: مؤشرات الكرامة المفقودة
المفارقة المؤلمة أن نسبة التمدرس للفئة العمرية 6-11 سنة تبلغ 98.2%، لكنها تنخفض بشكل حاد مع التقدم في السن لتصل إلى 79.2% للفئة 6-24 سنة.
هذا التسرب المدرسي المتزايد يفسر استمرار دورة الفقر والأمية بين الأجيال.
أما التغطية الاجتماعية والصحية فتعكس الفجوة الجهوية بوضوح:
- فقط 42.1% من التونسيين يتمتعون بتغطية اجتماعية، مع تفاوت صارخ بين الأقاليم: 49.3% في الإقليم الثاني (تونس الكبرى) مقابل 33.8% في الإقليم الخامس (الجنوب)
- نسبة التغطية الصحية (76% على المستوى الوطني) تسجل مفارقة غريبة: 86.7% في توزر مقابل 69% في تونس العاصمة
تحولات ديموغرافية تنذر بتحديات مستقبلية
يكشف التعداد عن تحولات ديموغرافية عميقة، أبرزها ارتفاع نسبة المسنين (60 سنة فما فوق) إلى 18.53% مقارنة بـ 16.01% في 2014، مقابل انخفاض نسبة الأطفال بين 0-4 سنوات إلى 5.86%. هذا التحول نحو شيخوخة سكانية سيضع ضغوطاً متزايدة على أنظمة الحماية الاجتماعية والصحية في العقود القادمة.
انخفاض متوسط حجم الأسرة من 4.05 أفراد في 2014 إلى 3.45 في 2024 يعكس تحولاً مجتمعياً عميقاً نحو الأسر النووية، لكنه يخفي أيضاً تحديات اقتصادية تدفع الشباب لتأخير الزواج وتقليص الإنجاب.
ما وراء الأرقام
تونس التي تكشفها أرقام تعداد 2024 هي وطن منقسم جغرافياً ومتفاوت اجتماعياً. الرقمنة التي تباهى بها المسؤولون (11 ألف عون و9500 لوحة رقمية) قد تحسن دقة البيانات، لكنها لا تضمن تحسين واقع المواطنين.
السؤال الأهم: هل ستترجم هذه الأرقام إلى سياسات عامة تعالج الفجوة بين الساحل والداخل؟ هل ستكون نسبة الأمية المرتفعة في الداخل حافزاً لإعادة توزيع الموارد التعليمية؟ وهل سيتم التعامل مع التفاوت في التغطية الاجتماعية كأولوية وطنية؟
تونس التي تكشفها أرقام 2024 هي وطن يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في نموذج تنموي يعمق الفوارق، أو إعادة التفكير في خيارات تنموية تضع العدالة المجالية والاجتماعية في صلب أولوياتها، بدءاً بمحو الأمية وضمان الحق في التعليم للجميع، خاصة في المناطق الداخلية المهمشة.



