بعد ثلاثة عقود على ما عُرِف بقانون بوسمان الذي غَيّر وجه اقتصاد كرة القدم، لا يزال قطاع الانتقالات يواجه تداعياته القانونية، مع بروز قضية جديدة في المحاكم.
ففي أعقاب حكم جديد صادر عن محكمة العدل الأوروبية عام 2024 لصالح لاعب الوسط الفرنسي السابق لاسانا ديارا، تواجه السلطات الكروية احتمال رفع دعوى قضائية جماعية محتملة من اتحادات اللاعبين، قد تكلف “مليارات اليوروهات”، وفق ما أكد محام يمثل اللاعبين لوكالة فرانس برس.
في 15 ديسمبر 1995، تقدم لاعب مغمور في صفوف لياج البلجيكي يدعى جان مارك بوسمان بشكوى ضد النادي مدعيا بأنه يعامله معاملة الرقيق ويحاول الاستفادة منه ماديا بعدما انتهى عقده معه.
أراد بوسمان الانتقال الى فريق دانكرك في الدرجة الثانية الفرنسية لكن لياج حاول عرقلة الانتقال، فلجأ اللاعب الى محكمة العدل الاوروبية في لوكسمبورغ وأوكل القضية الى محام بارع نجح في اثبات أن قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الخاصة بانتقال اللاعبين مخالفة لقوانين الاتحاد الاوروبي التي تنص على الانتقال الحر وغير المشروط للعمال والموظفين وارباب المهن بين دول الاتحاد.
وانتزع المحامي حكما يعتبر اللاعبين مثل العمال لهم حق الانتقال الحر، وبمعنى اخر انتزع حكما ونصا قانونيا يؤكد أحقية اللاعب باللعب في أي بلد من بلدان الاتحاد الاوروبي من دون أن يعتبر لاعبا أجنبيا.
سارع اللاعبون ووكلاؤهم إلى التكيّف مع القواعد الجديدة، وكان الهولنديان إدغار دافيدز ومايكل رايزيغر أول الأسماء الكبيرة التي استفادت من القرار، إذ غادرا أجاكس إلى إنتر الإيطالي في الصيف التالي، في إشارة مبكرة إلى أن الحكم سيسرّع تركّز المواهب في أكبر الأندية ضمن أغنى الدوريات الأوروبية.
جاء القرار في وقت كانت فيه عائدات الدوريات الكبرى، خصوصا الدوري الإنجليزي الممتاز، تشهد ارتفاعا كبيرا، وقبيل دخول المليارديرات إلى عالم ملكية الأندية، بدءا بالروسي رومان أبراموفيتش في تشلسي الإنجليزي عام 2003.
أثار حكم بوسمان سلسلة من القضايا اللاحقة، مع استمرار الصراع بين الهيئات الكروية العالمية والأندية والبطولات وممثلي اللاعبين حول تنظيم عقودهم.
أحدث هذه القضايا يُنظر فيها أمام المحاكم الهولندية، حيث رفعت منظمة “العدالة للاعبين” دعوى ضد الاتحاد الدولي للعبة، الاتحادات الوطنية الـ28 في الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى الاتحادات الأربعة في بريطانيا، وذلك بعد حكم من محكمة العدل الأوروبية عام 2024 في قضية لاعب وسط تشلسي وأرسنال وريال مدريد وباريس سان جرمان السابق، لاسانا ديارا.
ففي أوت 2014، أنهى لوكوموتيف موسكو الروسي عقد ديارا، عازيا الأمر إلى انتهاكات تعاقدية من قبل اللاعب المعترض على تخفيض راتبه بشكل كبير. طلب النادي الروسي تعويضا قدره 20 مليون يورو من ديارا.
– “تكبّدوا أضرارا” –
فرض عليه فيفا في نهاية الأمر دفع 10 ملايين يورو للفريق الروسي، وهي غرامة أيدتها محكمة التحكيم الرياضي (كاس). كما تعرض ديارا لإيقاف بأثر رجعي لمدة 15 شهرا.
نتيجة لما حصل، لم تتهافت الأندية للتعاقد مع ديارا بعد نزاعه مع لوكوموتيف، وتراجع شارلروا البلجيكي عن ضمه.
لكن في أكتوبر 2024، قضت محكمة العدل الأوروبية بأن بعض قواعد كرة القدم الدولية الناظمة لانتقالات اللاعبين تتعارض مع قوانين الاتحاد الأوروبي.
عندما حكمت المحكمة لصالح ديارا، اعتبرت أن “اللاعبين المحترفين الذين نشطوا بين عامي 2002 و2024، وربما حتى اليوم، تكبّدوا أضرارا”، وفق ما قال المحامي الهولندي دولف سيخار، عضو مجلس إدارة “العدالة للاعبين”.
وأضاف لفرانس برس “حسبنا أن كل لاعب خسر في المتوسط 8 بالمئة من راتبه”، مشيرا إلى أن تقديراتهم لعدد اللاعبين المحترفين في تلك الفترة، نحو 100 ألف لاعب، تعني أن المبالغ “تبلغ بالتأكيد بضعة مليارات اليوروهات”.
وأوضح أن المشكلة تكمن في أن اللاعبين الذين لا يملكون بندا لتسريحهم من عقودهم، وهو أمر غير قانوني في دول أوروبية عدة، يواجهون “صندوقا أسود” عند محاولة فسخ عقودهم، قائلا “لا تعرف إذا أنهيت العقد، ما الذي ستدفعه بالضبط لناديك السابق”.
يسعى سيخار إلى استقطاب نقابات اللاعبين الوطنية لتعزيز مصداقية الدعوى أمام المحكمة، آملا بدء الإجراءات “في الربع الأول من عام 2026″، مضيفا أن “المسار القضائي قد يستغرق سنوات”.
– “الأندية الغنية ستبقى غنية” –
يقود اللاعب السابق دافيد تيرييه نقابة اللاعبين في فرنسا التي انضمت إلى الدعوى، إضافة إلى الهيئة الأوروبية للاعبين المحترفين (فيفبرو يوروب) التي لم تنضم بعد.
وقال تيرييه لفرانس برس “الأمر صعب لكثير من النقابات لأنها تواجه اتحاداتها الوطنية مباشرة، وبعضها يرتبط باتفاقات معها”.
وأضاف أنه يأمل في التفاوض كما حاول في قضية ديارا، قائلا “لاسانا ديارا لم يرغب في أن يصبح بوسمان جديدا. قال +ألعب مع المنتخب وأكبر الأندية، ولا أريد أن يتذكرني الناس بهذه القضية، بل بما حققته أو خسرته على أرض الملعب+، لكن فيفا لم يستجب”.
ورفض فيفا الذي رد على حكم ديارا بوضع قواعد “موقتة”، والاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) التعليق على القضية، لكنهما أصدرا بيانات أكدا فيها العمل على مراجعة نظام الانتقالات.
ويتفق سيخار وتيرييه والهيئات الكروية على بعض النقاط، منها حق الأندية في توقيع أول عقد احترافي مع لاعبيها الشباب، وعدم السماح بفسخ العقود قبل فترة محددة (اقترح سيخار سنتين)، إضافة إلى تعويض الأندية عبر صيغة متفق عليها أو من خلال اتفاق جماعي يتيح فسخ العقود في كل دولة.
وقال سيخار إن النظام الجديد “سيغيّر الاقتصاد بطريقة معينة، لكنه لن يكون مزعجا بقدر ما كان حكم بوسمان”، مضيفا “الأندية الغنية ستبقى غنية. هذا النظام لن يتغيّر”.



