يعد مركز حراسة المرمى من أكثر المراكز حساسية وأهمية في كرة القدم لما يتطلبه من تركيز دائم ويقظة مستمرة طوال مجريات المباراة. فحارس المرمى لا يقتصر دوره على التصدي للكرات فحسب، بل يحتاج إلى قدرة عالية على قراءة اللعب وامتلاك شخصية قيادية تمكنه من تنظيم الخط الدفاعي بما يجعل منه عنصرا أساسيا في بث الطمأنينة ورفع منسوب الثقة لدى الفريق بأكمله.
وتتضاعف أهمية هذا المركز في المواعيد الكبرى على غرار كأس العالم المقررة من 11 جوان إلى 19 جويلية 2026 في كندا والولايات المتحدة والمكسيك والتي يدخلها المنتخب التونسي محصنا شباكه بالثلاثي مهيب الشامخ وأيمن دحمان وصبري بن حسن الذين ينتظر أن يكون لهم دور بارز في رسم ملامح المشوار المونديالي لـ”نسور قرطاج” ضمن مجموعة قوية تضم هولندا والسويد واليابان.
وقد عرفت حراسة أخشاب المنتخب التونسي خلال الأشهر الماضية تقلبات هامة تبلورت ملامحها عقب المشاركتين المخيبتين في كأس العرب بقطر وكأس الأمم الإفريقية بالمغرب وذلك في ظل تراجع مردود أيمن دحمان مقابل تمسك الإطار الفني بقيادة سامي الطرابلسي آنذاك بالاعتماد عليه أساسيا في جميع المباريات رغم وجود ثلاثة حراس آخرين ضمن القائمة وهم البشير بن سعيد وصبري بن حسن ونور الدين الفرحاتي.
ومع قدوم الناخب الوطني الجديد صبري اللموشي في منتصف شهر جانفي الفارط، تغيرت الاختيارات في مركز حراسة المرمى بخروج حارسي الترجي الرياضي البشير بن سعيد والملعب التونسي نور الدين الفرحاتي من دائرة حساباته الفنية ليكون البديل من نتاج البطولة المحلية في ظل بروز حارس النادي الافريقي صاحب لقب بطولة الموسم مهيب الشامخ مقابل الإبقاء على حارسي النادي الصفاقسي أيمن دحمان والنجم الساحلي صبري بن حسن.
وبدا الاقتناع راسخا لدى اللموشي بضرورة التعويل على أكثر الحراس جاهزية في الوقت الحالي، وجاءت بوادر التغيير مع أولى مبارياته على رأس المنتخب من خلال تشريك الثنائي بن حسن والشامخ في الاختبارين الوديين أمام هايتي وكندا يومي 29 مارس و1 أفريل الماضيين، وقد أظهر كلاهما مردودا ايجابيا وتمكنا من المحافظة على نظافة شباكهما مع عدد من التصديات الحاسمة.
ومع دخول التحضيرات منعرجها الحاسم، ظهر بالكاشف أن صبري اللموشي قد استقر على خياراته بعدما اعتمد على مهيب الشامخ في الوديتين أمام النمسا وبلجيكا. وبينما خرج الحارس بصورة مقبولة من المواجهة الأولى رغم الخسارة بهدف نظيف، فإن الخماسية التي تلقاها في مقابلة بلجيكا ألقت بظلالها على تقييم مردوده بشأن دوره القيادي في الخط الخلفي ومسؤوليته في قبول ذلك العدد الكبير من الأهداف.
ويبقى السؤال المطروح بعد السقوط المدوي أمام “الشياطين الحمر”: هل تدفع هذه الهزيمة الإطار الفني إلى إعادة النظر في ترتيب الحراس داخل المنتخب؟ فرغم المؤشرات التي أوحت بأن مهيب الشامخ يتجه لحجز موقع متقدم في حسابات المدرب، فإن ما حدث في بروكسيل قد يعيد خلط الأوراق ويفتح باب المنافسة من جديد خاصة أن الفوارق بين الحراس الثلاثة لا تبدو كبيرة بالقدر الذي يسمح بحسم هذا الملف نهائيا.
ومع ذلك، يبقى مهيب الشامخ (24 عاما) الأقرب بالمنطق للاضطلاع بحراسة شباك المنتخب في المونديال على الأقل خلال المباراة الأولى أمام السويد إذ من المستبعد أن يخاطر الجهاز الفني باستبداله في هذا التوقيت الحساس قبل أيام من ضربة بداية المونديال.
وبرز حارس النادي الإفريقي كأحد اكتشافات الموسم واضطلع بدور محوري في قيادة الفريق إلى التتويج بلقب البطولة مستفيدا من مستوياته المتميزة وقدرته على الحفاظ على نظافة شباكه في 17 مباراة.
وكانت بداياته مع أولمبيك مدنين سنة 2017 قبل أن ينتقل إلى نجم المتلوي في 2022 ثم يشق طريقه نحو النادي الإفريقي في جوان 2025 بعقد يمتد إلى غاية سنة 2029 في خطوة شكلت منعطفا مهما في مسيرته الكروية.
ويعتبر صلاح الفاسي حارس النادي الافريقي والمنتخب التونسي سابقا أن الشامخ يتمتع بمهارات عالية ويمتلك شخصية قوية مكنته من عدم التأثر بمنسوب الضغط الكبير الذي وجده في النادي الإفريقي وهو ما جعله يكون أحد المساهمين البارزين في تتويج فريق باب الجديد بلقب البطولة معربا عن الاعتقاد أن دعوته للمنتخب كانت مستحقة.
وتابع الفاسي في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أن مباريات كأس العالم تختلف كليا عن لقاءات البطولة المحلية، بل إنها أقرب في نسقها وقوة منافسيها إلى المواجهات التي خاضها المنتخب خلال تحضيراته أمام النمسا وبلجيكا مشيرا إلى أن الحارس في مثل هذه المواعيد الكبرى يكون مطالبا بالتعامل مع ضغط أعلى ونسق أسرع ولاعبين يمتلكون جودة فنية كبيرة.
وأضاف أنه يتعين على الشامخ أن يستفيد من الدروس التي أفرزتها المباريات الودية الأخيرة وأن يحافظ على ثقته في نفسه خاصة أن منتخبات المجموعة السادسة، السويد واليابان وهولندا، لن تكون أقل قوة من النمسا وبلجيكا مؤكدا أن نجاحه في هذا التحدي يبقى رهين ثبات شخصيته ومدى قدرته على المحافظة على تركيزه.
وبعد أن ظل لسنوات الخيار الأول في المنتخب، يبدو أن أيمن دحمان دفع ثمن أدائه المهزوز في كأس العرب وكأس إفريقيا بعد أن أصبح خارج التشكيل الأساسي خلال المباريات الدولية الأربع الأخيرة رغم محافظته على ثبات مستواه في بطولة الرابطة المحترفة الأولى ومساهمته الفاعلة في حصول فريقه النادي الصفاقسي على المركز الثالث في الجدول النهائي للترتيب العام.
وبالمقارنة مع مهيب الشامخ وصبري بن حسن، يعد أيمن دحمان (29 عاما) الأكثر تمرسا على المستوى الدولي مستندا إلى مشاركته في مونديال قطر 2022 حيث لم يستقبل سوى هدف واحد أمام أستراليا مقابل حفاظه على نظافة شباكه في مواجهتي فرنسا والدنمارك إلى جانب مسيرته المستقرة مع فريق عاصمة الجنوب منذ 2018 وتجربته الاحترافية في البطولة السعودية مع نادي الحزم خلال موسم 2023-2024.
ويرى مبروك العكريمي مدرب الحراس السابق للمنتخب التونسي والحالي للنادي الصفاقسي أن مركز حراسة المرمى يعد من أكثر المراكز أهمية مشيرا إلى ضرورة امتلاك الحارس مجموعة من الخصال الفنية التي تمكنه من تقديم الإضافة المطلوبة.
واعتبر في تصريح لـ”وات” أن هذه المواصفات تتوفر في أيمن دحمان الذي يعد حسب تقديره الأكثر جاهزية في تونس استنادا إلى الأرقام والإحصائيات وهو ما يمنحه أفضلية منطقيا لتأمين شباك “نسور قرطاج” في المونديال، وفق تعبيره.
وأضاف أن دحمان يمتلك تقنيات فنية قلما وجدت عند حارس واحد في البطولة التونسية حاليا وهي التناسق الحركي والقوة وسرعة ردة الفعل وهو ما جعله موفقا في معظم تدخلاته سواء في الكرات الهوائية أو في التصديات الأرضية مساهما في تحقيق فريقه 18 “كلين شيت” خلال هذا الموسم.
أما الضلع الثالث في معادلة حراسة المرمى، فهو صبري بن حسن الذي يدخل الموعد المونديالي مدفوعا بموسم ناجح على مستوى الأداء الشخصي مع النجم الساحلي رفع من أسهمه وجعله طرفا حقيقيا في المنافسة على حراسة عرين المنتخب.
وعزز بن حسن (29 عاما) صفوف فريق جوهرة الساحل في الصائفة الماضية بموجب عقد لمدة ثلاث سنوات قادما من النادي الصفاقسي، فريقه الأم، الذي استهل معه مشواره الاحترافي عام 2013 إلى غاية 2025 مع تجربة قادته إلى نادي حمام الأنف. وشارك مع المنتخب التونسي في عدة محطات دولية بارزة، من بينها مونديال تحت 17 سنة بالإمارات عام 2013 وكأس الأمم الإفريقية تحت 23 سنة عام 2015 إلى جانب ظهوره الأخير مع منتخب الأكابر في النهائيات القارية 2025 بالمغرب لكنه لن ينل فرصة اللعب.
وأشاد حمدي بيوض مدرب حراس النجم الساحلي بالإمكانات الكبيرة التي يتمتع بها الحارس صبري بن حسن قائلا “لقد تلقى تكوينا متينا داخل النادي الصفاقسي، ورغم ابتعاده عن أجواء المنافسة لفترة طويلة، كنت من بين المطالبين بانتدابه لما يملكه من إمكانيات وجاهزية بدنية إضافة إلى العلاقة الجيدة التي تجمعني به وهو ما ساعده على التألق سريعا رغم قدومه في ظرف كانت فيه المنظومة الدفاعية للنجم تعاني بعض الصعوبات”.
وتابع “يتميز بن حسن بالانضباط داخل الملعب وخارجه ويتقبل النقد والملاحظات الفنية لتطوير مستواه، ورغم قبول بعض الأهداف في مرحلة الإياب إلا أن الناخب الوطني كان حريصا على دعوته باعتبار إمكانياته التي برهن عليها في مباراة هايتي الودية. وقد سبق له تقمص زي المنتخب التونسي في أصناف الشبان وشارك في عديد المحافل الدولية وهذا ما يجعله قادرا على تقديم الإضافة كلما أتيحت له الفرصة”.
ويبقى مركز حراسة المرمى داخل المنتخب التونسي مفتوحا على أكثر من قراءة في ظل تقارب مستويات الحراس الثلاثة. وبين معايير الجاهزية والخبرة والانسجام مع المنظومة الدفاعية والقدرة على تحمل الضغط، يواصل الإطار الفني مراقبة التفاصيل الدقيقة قبل اتخاذ القرار الحاسم خاصة وأن المونديال لا يمنح مساحة كبيرة للتجربة أو التردد.



