أعلن مدرب منتخب فرنسا ديدييه ديشان مطلع العام الجاري أنه سيتنحى عن منصبه عقب نهاية كأس العالم 2026، مما يعني أن كل مباراة يخوضها الفريق في الأدوار الإقصائية الحالية قد تكون الأخيرة له في مسيرة تدريبية تاريخية صاغ نهايتها بنفسه.
وجاء إعلان ديشان ليمثل لحظة عاطفية مؤثرة للمقربين منه، وفي مقدمتهم مدربه السابق إيميه جاكيه، الذي منحه شارة القيادة وقاد معه منتخب فرنسا للفوز بلقب المونديال للمرة الأولى في عام 1998.
وقال جاكيه لشبكة “فرانس إنتر” الإذاعية قبل انطلاق المونديال موجها حديثه لديشان “المنتخب الفرنسي جزء من هويتك، ونعلم جميعا أن لا أحد معصوم من الاستبدال، ولكن يا لها من رحلة رائعة أخذتنا فيها. الحياة تستمر وكرة القدم تستمر، وهناك نجمة لامعة بانتظار من يقتنصها هذا الصيف، وأعلم أن عينك عليها، فبالتوفيق يا صديقي القديم”.
وشكل تاريخ 12 جوان 1998 منعطفا حاسما في تاريخ الكرة الفرنسية، حيث سجل ديشان ظهوره الأول كلاعب في كأس العالم وقاد فرنسا كقائد للفريق للفوز على جنوب أفريقيا بثلاثة أهداف دون رد في الافتتاح، قبل أن يتفوق الديوك على البرازيل بالنتيجة ذاتها في النهائي ليتوجوا بالنجمة الأولى.
وقبل حقبة ديشان خاضت فرنسا 34 مباراة في كأس العالم خلال 9 مشاركات، حققت فيها 15 انتصارا فقط ووصلت لنصف النهائي ثلاث مرات دون بلوغ النهائي، مكتفية بالمركز الثالث في نسختي 1958 و1986، لكن جيل ديشان غير وجه الكرة الفرنسية تماما وحول الفريق من مجرد منافس خارجي إلى قوة عظمى، ليصل رصيد فرنسا قبل مواجهة المغرب في دور الثمانية لمونديال 2026 إلى 78 مباراة عبر 17 مشاركة، سجلت خلالها 44 انتصارا وتوجت بلقبين.
وتعد هذه القدرة على بناء فريق فائز من أبرز المزايا التي نالت إعجاب المدرب الفرنسي السابق أرسين فينغر، الذي صرح لشبكة “فرانس إنفو” قائلا “القائد بالنسبة لي هو من يساعد الآخرين على أن يصبحوا أفضل مما هم عليه في المعتاد، وليس من يفرض رأيه بالقوة، بل هو من يشحن طاقات الآخرين ويستخرج أفضل ما لديهم من قدرات قد لا يعلمون هم أنفسهم بوجودها”.
وبعد اعتزاله اللعب عام 2000، ابتعد ديشان عن الإخفاقات التي شهدتها نسختا 2002 و2010 حين ودعت فرنسا من دور المجموعات دون أي فوز، كما لم يكن جزءا من وصافة نسخة 2006، قبل أن يعود لقيادة الديوك من مقعد المدير الفني عام 2014 ومستقرا في منصبه منذ ذلك الحين، ليقود فرنسا للوصول إلى دور الثمانية في 4 نسخ متتالية بكأس العالم، وهو إنجاز لم يسبقها إليه سوى الاتحاد السوفيتي والبرازيل وألمانيا.
وتعكس الأرقام حجم التأثير الهائل الذي صنعه المدير الفني، فخلال 24 مباراة قاد فيها فرنسا كمدرب في كأس العالم، حقق 19 انتصارا و3 تعادلات مقابل هزيمتين فقط، وإذا أضيفت إليها مبارياته السبع كلاعب والتي شهدت 6 انتصارات وتعادلا واحدا، يكون ديشان قد شارك مباشرة في 31 مباراة من أصل 78 خاضتها فرنسا تاريخيا في المونديال، كما تواجد على أرض الملعب أو مقاعد البدلاء في 8ر56 % من إجمالي الانتصارات الفرنسية بكأس العالم.
ويرى الأسطورة الفرنسي تييري هنري أن هذا النجاح ليس وليد الصدفة، حيث أوضح لشبكة “فوكس سبورتس” قائلا “لقد ذكرت ذلك سابقا عندما تحدث البعض عن الحظ، الأمر ليس حظا، هذا الرجل اعتاد على الفوز دائما، ويمكنني إخباركم بمدى صعوبة التعامل مع مجموعة تضم العديد من القادة البارزين وضمان بقاء قائد واحد مسيطر في النهاية”.
ويمتد تأثير ديشان إلى ما هو أبعد من الإحصائيات، فقبل حقبته لم تكن فرنسا تملك أي لقب في كأس العالم، وتملك الآن لقبين، وبعد أن كان الديوك يعيشون في ظل القوى التقليدية، باتوا يملكون 9 مشاركات في دور الثمانية متفوقين على إيطاليا وإسبانيا اللتين تملكان 7 مشاركات، وبفارق مشاركة واحدة خلف الأرجنتين. وانضمت فرنسا تحت قيادته إلى النادي الحصري للفرق التي سجلت 150 هدفا أو أكثر في تاريخ كأس العالم، والذي يضم البرازيل برصيد 246 هدفا، وألمانيا بـ243 هدفا، والأرجنتين بـ163 هدفا.
وقد تشهد المسيرة كتابة فصل جديد، إذ إن الفوز على المغرب والتأهل للدور قبل النهائي سيعادل رقم إيطاليا البالغ 45 انتصارا في كأس العالم، بعد أن كان الأتزوري يبتعد بفارق مريح قبل عهد ديشان بواقع 35 انتصارا مقابل 19 لفرنسا، كما أن العبور للمربع الذهبي سيقرب فرنسا خطوة إضافية من وضع النجمة الثالثة على قميصها.
وقال قائد المنتخب الفرنسي كيليان مبابي لشبكة “إم 6” قبل البطولة “أفضل طريقة لتكريمه هي الفوز باللقب، لأنه يعشق الانتصار، ولذلك سنفعل كل ما في وسعنا لضمان خوضه أفضل كأس عالم ممكنة”.



