رياضة, سياسة

قصة ترامب وبالوغون… المهاجرون فزّاعة الانتخابات وأبطال قوميون في كأس العالم

قصة ترامب وبالوغون

تحولات الرياضة والسياسة لا تلتقي غالبا في نقطة واحدة بوضوح كما التقت في شباك بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

ولم يعد المستطيل الأخضر مجرد مسرح للتنافس على المجد الكروي وبلوغ منصات التتويج، بل تحول في لحظة استثنائية فارقة إلى مرآة مصقولة كشفت عن واحدة من أعقد الأزمات السياسية والقانونية وأكثرها جذبا للانقسام في التاريخ الأمريكي الحديث.

وكان البطل غير المتوقع في هذه السردية الممتدة بين الملاعب وأروقة الحكم هو المهاجم الأمريكي الشاب فولارين بالوغون، الذي لم يرتبط اسمه بالأهداف الحاسمة التي هزت الشباك وأشعلت الحماس في المدرجات فحسب، بل بات عنوانا عريضا لجدل أيديولوجي عميق يمس جوهر الهوية والمواطنة، ويفضح التناقضات الصارخة والبنية النفعية للخطاب السياسي الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه ملف الهجرة والجنسية بالولادة، معيدا إلى الأذهان إرثا طويلا من المواقف الموثقة والخطابات الرئاسية المثيرة للجدل.

الصدفة القانونية التي صنعت هداف أمريكا

تعود فصول هذه المفارقة التاريخية والاجتماعية إلى عام 2001، عندما قادت الصدفة المحضة عائلة بالوغون النيجيرية، المستقرة آنذاك في بريطانيا، إلى القيام بزيارة قصيرة وعابرة للولايات المتحدة.

خلال هذه الرحلة، طرأ تحول غير متوقع حين منعت السلطات الجوية الأم من السفر صعودا إلى الطائرة نظرا لتقدمها الكبير في أشهر الحمل وما يشكل ذلك خطرا على سلامتها، لتجد العائلة نفسها مجبرة على البقاء وتضع الوالدة مولودها في أحد مستشفيات حي بروكلين العريق بمدينة نيويورك، قبل أن تحزم الأسرة حقائبها بعد أسابيع قليلة وتعود إلى العاصمة البريطانية لندن حيث نشأ الطفل وتلقى تعليمه.

تلك الأسابيع القليلة التي قضاها الرضيع على الأراضي الأمريكية كانت كافية بموجب القانون الأمريكي الصارم والراسخ لكي يكتسب حقوقا دستورية كاملة وتلقائية، استنادا إلى المادة الأولى من التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، الذي يضمن حق الجنسية والمواطنة المطلقة لكل من يولد فوق تراب البلاد، بغض النظر عن هوية والديه، أو جنسيتهم، أو حتى طبيعة وضعهم القانوني في تلك اللحظة.

في العاصمة البريطانية، ترعرع الصبي وتشرب أصول اللعبة الشعبية وتدرج في الفئات السنية لأكاديمية نادي أرسنال الإنجليزي الشهير، بل ومثل المنتخبات الوطنية للشباب في إنجلترا مبرهنا على موهبة استثنائية.

لكن وثيقة الولادة الأمريكية وجواز السفر الذي حصل عليه بموجب قانون الولادة ظلا يلاحقان مساره الرياضي حتى عام 2023، حين اتخذ اللاعب قرارا مصيريا أحدث ضجة في الأوساط الرياضية بتغيير ولائه الدولي واختيار تمثيل بلد ولادته الأصلي، ممهدا الطريق لقصة نجاح مونديالي أبهرت الجماهير الأمريكية وجعلت منه الركيزة الهجومية الأولى للمنتخب الأمريكي.

ومع انطلاق نهائيات كأس العالم الحالية، خطف بالوغون الأضواء بأهدافه الثلاثة الحاسمة، متجاوزا في بريقه وتأثيره الحضور الإعلامي الجماهيري لقائد الفريق ونجمه التاريخي كريستيان بوليستش، ليقود بلاده بثبات نحو الأدوار الإقصائية ويرفع سقف الطموحات الشعبية الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة. 

التدخل الرئاسي ومعركة الأوامر التنفيذية

غير أن المنعطف الحقيقي الذي نقل القضية من صفحات الرياضة إلى صدارة التحليلات السياسية حدث إثر تلقي المهاجم بطاقة حمراء مثيرة للجدل في مباراة البوسنة والهرسك، وهي العقوبة التي كانت كفيلة بحرمانه من خوض المواجهة المصيرية والحرجة أمام بلجيكا في دور الـ16.

هنا حدثت المفاجأة السياسية المدوية، إذ تدخل ترامب شخصيا وبشكل علني عبر منصات التواصل الاجتماعي مطالبا الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) بمراجعة هذا القرار الذي وصفه بالظالم بحق النجم الأمريكي، وهو ما أعقبه بالفعل قرار رسمي من فيفا برفع الإيقاف عن اللاعب، مما أثار عاصفة من الانتقادات الدولية والاتهامات بوجود ضغوط سياسية ناعمة ومباشرة مورست على المنظمة الرياضية برئاسة السويسري جياني إنفانتينو، الذي سارع بدوره إلى نفي تأثير أي تدخل سياسي في القرارات الفنية للمنظمة.

هذا التدخل الرئاسي المباشر وغير المعتاد للدفاع المستميت عن لاعب ولد بالصدفة لأبوين مهاجرين فتح الباب على مصراعيه أمام سيل جارف من التساؤلات الإعلامية والحقوقية حول مفهوم الاتساق السياسي ونظيره النفعي.

 إذ لم يكن موقف ترامب من الجنسية بالولادة جديدا أو عابرا، ففي 30 أكتوبر عام 2018، صرح الرئيس الأمريكي علانية في مقابلة مع موقع أكسيوس بأنه يعمل جادا على إصدار أمر تنفيذي ينهي تماما حق الجنسية بالولادة، معتبرا أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح الجنسية تلقائيا لكل مولود على أراضيها.

 تصريح فجر آنذاك سجالا دستوريا واسعا، لكون غالبية خبراء القانون أكدوا أن هذا الحق محمي تاريخيا بالتعديل الرابع عشر للدستور ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤه أو تقييده بقرار رئاسي منفرد.

وعاد ترامب لاحقا خلال حملته الانتخابية، وتحديدا في 30 ماي عام 2023، ليتعهد مجددا عبر بيانات حملته الرسمية بأنه في حال عودته للبيت الأبيض، سيصدر أمرا تنفيذيا في اليوم الأول من ولايته الجديدة يقضي بعدم منح الجنسية التلقائية لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو الموجودين بصفة مؤقتة، واصفا حق الجنسية بالولادة بأنه بمثابة مغناطيس يغذي الهجرة غير الشرعية ويهدد سيادة البلاد.

خطابات الغزو وإرث التصريحات المثيرة للجدل

يأتي هذا الموقف الصارم في سياق خطاب سياسي أوسع طالما جعل من الهجرة والمهاجرين محورا أساسيا، فمنذ بداياته السياسية في 16 يونيو/حزيران عام 2015، وخلال خطاب إعلان ترشحه التاريخي للرئاسة، أطلق تصريحا أضحى من أكثر خطاباته إثارة للجدل حين قال إن المكسيك ترسل أشخاصا لديهم الكثير من المشاكل، وإنهم يجلبون المخدرات والجريمة وأنهم مغتصبون، قبل أن يردف مستدركا بأن بعضهم، كما يفترض، أناس طيبون.

وفي أكتوبر من عام 2018، تزامنا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وصف ترامب قوافل المهاجرين بأنهم يغزون الولايات المتحدة، وهو مصطلح “الغزو” الذي واصل تكراره واستخدامه بكثافة عبر تجمعاته الانتخابية وبياناته الرسمية لتوصيف الأوضاع عبر الحدود الجنوبية.

وطوال مسيرته السياسية، واجه ترامب اتهامات متكررة من خصومه ومنظمات حقوقية بإطلاق تصريحات ذات طابع عنصري أو تمييزي ضد الملونين والمهاجرين من دول الجنوب، كان أبرزها ما نقلته وسائل إعلام أمريكية عالمية في جانفي من عام 2018، حول تساؤله بمرارة خلال اجتماع في البيت الأبيض عن سبب استقبال الولايات المتحدة لمهاجرين من دول “قذرة” في أفريقيا وهايتي، معبرا عن تفضيله لمهاجرين من دول كالنرويج.

هذا التصريح سارع ترامب لنفيه لاحقا وسط تنديد دولي واسع، كما تجدد هذا الجدل الدستوري والقيمي في جويلية عام 2019، عندما وجه انتقادا حادا لأربع عضوات ديمقراطيات في الكونغرس ينتمين لأقليات عرقية، ثلاث منهن مولودات داخل الولايات المتحدة، داعيا إياهن إلى العودة وإصلاح البلدان المفككة والمليئة بالجريمة التي جئن منها، وهو ما اعتبره منتقدوه خطابا عنصريا فجا، في حين رفض ترامب تلك الاتهامات مؤكدا أن تصريحاته لا تحمل أي أبعاد عرقية.

الحلم الأمريكي في مرمى التناقض السياسي

وتبدو المفارقة السياسية والإنسانية اليوم أكثر وضوحا وجلاء، فالرئيس الذي جعل من الحد من الهجرة، وتشديد قيودها، وإلغاء الجنسية بالولادة أحد أبرز وأقوى عناوين حملاته الانتخابية المتعاقبة، وجد نفسه خلال المونديال الحالي يدافع بشراسة واستماتة عن لاعب ما كان ليصبح مواطنا أمريكيا أصلا، ولا لاعبا في المنتخب الوطني، لو كانت سياساته وأفكاره القانونية مطبقة على أرض الواقع لحظة ولادة اللاعب في نيويورك.

ولم يعد السؤال الجوهري المطروح اليوم في الأوساط السياسية والإعلامية بواشنطن يتعلق ببطاقة حمراء أو بقرار تحكيمي صادر عن الفيفا، بل بات يتمحور حول مدى اتساق الخطاب السياسي الموجه للجماهير مع معطيات الواقع الحقيقي، إذ تحول ابن المهاجرين النيجيريين، الذي يمثل بالنسبة لأجندة ترامب نموذجا قانونيا غير مرغوب فيه ويسعى إلى منعه ومحاصرته مستقبلا، إلى أحد أهم وأبرز رموز الحلم الأمريكي والتفوق الرياضي على المستطيل الأخضر، حاملا على عاتقيه طموحات أمة بأكملها.

تصنيفات: , , , , ,