أثبت النجم المصري محمد صلاح أنه ليس مجرد لاعب كرة قدم استثنائي، بل أصبح أيضًا قوة اجتماعية مؤثرة ساهمت في تغيير نظرة المجتمع البريطاني للمسلمين والعرب. فقد كشفت دراسات علمية رصينة أن وجود صلاح في ليفربول أدى إلى انخفاض ملحوظ في معدلات جرائم الكراهية ضد المسلمين، في ظاهرة أصبحت تعرف بـ “تأثير صلاح”.
دراسات توثق انخفاض جرائم الكراهية
أظهرت دراسة أجرتها جامعة ستانفورد الأمريكية والمعهد السويسري للتكنولوجيا لصالح مختبر سياسة الهجرة في زيوريخ أن انضمام محمد صلاح إلى نادي ليفربول في صيف 2017 كان له تأثير إيجابي واضح على مواقف المشجعين تجاه الإسلام والمسلمين. وبحسب الدراسة، شهدت مقاطعة ميرسيسايد، موطن نادي ليفربول، انخفاضًا بنسبة 18.9% في جرائم الكراهية ضد المسلمين منذ انضمام صلاح إلى الفريق.
أكدت نتائج الدراسة أن تأثير صلاح امتد ليشمل الفضاء الرقمي أيضًا، حيث انخفضت نسبة التغريدات المعادية للمسلمين من مشجعي ليفربول بأكثر من 50% مقارنة بمشجعي أكبر خمسة فرق في الدوري الإنجليزي الممتاز.
اعتمد الباحثون في دراستهم على تحليل شامل للبيانات تضمن فحص حوالي 936 حالة من جرائم الكراهية المسجلة على مستوى بريطانيا، وتحليل نحو 15 مليون تغريدة لمشجعي كرة القدم البريطانيين. وحملت الدراسة عنوان “هل يمكن أن يؤدي التعرض إلى المشاهير إلى تقليل التحيز؟ تأثير محمد صلاح على السلوكيات والمواقف المعادية للإسلام”.
كسر الصورة النمطية
يرى المحللون أن التأثير الإيجابي لصلاح يعود إلى عدة عوامل، أبرزها عدم إخفائه لهويته الإسلامية، حيث اعتاد السجود عند تسجيله للأهداف في مشهد بات مألوفًا لملايين المشجعين البريطانيين. كما ساهمت شخصيته المحببة وأخلاقه العالية في كسر الصور النمطية السلبية عن المسلمين في المجتمع البريطاني.
تؤكد هذه النتائج نظرية أن “وجود مشاهير ناجحين من أبناء الفئات والأقليات المهمشة التي تتعرض للتمييز، يساهم إلى حد كبير في الحد من النظرة السلبية لهذه الفئات والتحيز ضدها”.
أرقام قياسية على المستطيل الأخضر
موازاة مع تأثيره الاجتماعي، واصل صلاح تقديم أرقام استثنائية مع ليفربول عززت من مكانته كأحد أساطير النادي. فمنذ انضمامه للفريق في صيف 2017، خاض صلاح 394 مباراة سجل خلالها 243 هدفًا وقدم 109 تمريرات حاسمة، ليحتل المركز الثالث في قائمة هدافي ليفربول التاريخيين بعد إيان راش وروجر هانت فقط.
في موسم 2024-2025، قدم صلاح مستوى مبهرًا، حيث سجل 32 هدفًا في 45 مباراة بجميع المسابقات، 27 منها في الدوري الإنجليزي، بالإضافة إلى 22 تمريرة حاسمة. وحقق العديد من الأرقام القياسية، منها:
- أول لاعب في تاريخ النادي يسجل أكثر من 20 هدفًا في جميع البطولات على مدار 8 مواسم متتالية
- أول لاعب في تاريخ الدوري الإنجليزي يسجل أو يصنع في 10 مباريات متتالية أو أكثر، 3 مرات
- معادلة الرقم القياسي لأكثر مساهمة تهديفية خلال موسم واحد في الدوري الإنجليزي برصيد 44 تمريرة في 38 مباراة
- معادلة الرقم القياسي لأكثر أهداف يسجلها لاعب أجنبي في تاريخ الدوري الممتاز، برصيد 184 هدفًا
تجديد العقد: ثقة متبادلة وولاء للنادي
توّج صلاح موسمه الاستثنائي بتوقيع عقد جديد مع ليفربول في أفريل 2025، يمتد حتى صيف عام 2027، منهيًا بذلك الشكوك حول مستقبله مع النادي. وأعلن ليفربول في بيان رسمي: “يعلن نادي ليفربول لكرة القدم أن محمد صلاح وقّع عقدًا جديدًا سيبقيه مع النادي لما بعد موسم 2024-2025… سيبقى محمد صلاح لنثر سحره من جديد، ويواصل التألق في ملعب أنفيلد”.
يمنح العقد الجديد صلاح راتبًا أسبوعيًا يبلغ 400 ألف جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 50 ألف جنيه عن عقده السابق، مما يجعله أحد الأعلى أجرًا في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، والأعلى أجرًا في تاريخ ليفربول.
في حوار أجراه مع مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية، اعترف صلاح أن مفاوضات تجديد العقد لم تكن سهلة، وأنه كان قد فكر في إمكانية مغادرة النادي، خاصة مع وجود عروض مغرية من الدوري السعودي وباريس سان جيرمان. وقال: “نعم، كان من الممكن أن أرحل، الأمر كان غريبًا بعض الشيء… كنا نُقدّم موسمًا رائعًا، لكن مفاوضات التجديد لم تكن سهلة، وفي النهاية سارت الأمور على ما يرام”.
وأوضح أن رغبته في مواصلة كتابة التاريخ مع ليفربول كانت الدافع الأكبر للاستمرار، مضيفًا: “كنت أُكرر لنفسي: إذا لم يرغب النادي في التجديد، فلا بأس، سأرحل بطريقة مثالية، وأنا راضٍ عما قدمته”.
علاقة استثنائية مع الجمهور
عزز تجديد عقد صلاح من مكانته في قلوب جماهير ليفربول، الذين طالما أظهروا له حبًا وتقديرًا لامتداد تأثيره خارج المستطيل الأخضر. وكانت الجماهير قد ابتكرت أغنية خاصة له تشيد بإسلامه، في رسالة قوية ضد التعصب والعنصرية.
ولا تزال صور صلاح وهو يسجد على أرضية الملعب بعد تسجيله للأهداف، أو وهو يرفع يديه بالدعاء قبل انطلاق المباريات، من المشاهد المؤثرة التي ساهمت في تغيير نظرة الكثيرين للإسلام والمسلمين في بريطانيا.
رسالة أبعد من كرة القدم
أثبتت قصة نجاح محمد صلاح مع ليفربول أن تأثير الرياضة والرياضيين يمكن أن يمتد إلى أبعد من النتائج والألقاب، ليشمل تغيير المفاهيم المجتمعية ومكافحة الصور النمطية السلبية. فمن خلال موهبته واحترافيته وشخصيته الإيجابية، استطاع صلاح أن يقدم نموذجًا مشرفًا للمسلمين والعرب في الغرب، وأن يسهم في بناء جسور التفاهم والاحترام المتبادل بين الثقافات المختلفة.
وبتجديد عقده مع ليفربول، يبدو أن صلاح مصمم على مواصلة رسالته المزدوجة: تحقيق المزيد من النجاحات الرياضية، والاستمرار في دوره كسفير للتسامح والتعايش في مجتمع متعدد الثقافات.



