في السنوات الأخيرة، لم يعد اسم إيلون ماسك يقتصر على الابتكارات التقنية أو مغامرات الفضاء. الرجل الذي صنع لنفسه صورة “المخترع العبقري” و”رائد الأعمال المجنون”، صار اليوم لاعبًا سياسيًا من الوزن الثقيل في الولايات المتحدة، وربما على مستوى العالم. لكن، إلى أي مدى يمكن القول إن مشاريع ماسك، مثل Starlink وNeuralink وX AI، تخدم أجندات سياسية غير معلنة؟ وهل باتت هذه الأجندات تتقاطع مع صعود اليمين الشعبوي الذي يمثله دونالد ترامب؟
من الفضاء إلى السياسة: عندما تتحول التكنولوجيا إلى ورقة ضغط
مشروع Starlink، الذي يوفّر الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، لم يعد مجرد خدمة تجارية. في خضم الحرب الأوكرانية، ظهر Starlink كأداة حاسمة في ساحة المعركة، ما دفع العديد من المراقبين إلى التساؤل: من يملك فعليًا مفاتيح الاتصال في مناطق النزاع؟ هل هي الحكومات أم شركات خاصة مثل “سبيس إكس” التي يديرها ماسك؟
في الولايات المتحدة، أثارت علاقات ماسك المتشابكة مع السلطة قلق بعض أعضاء الكونغرس، خاصة بعد تعيينه في مناصب استشارية رسمية في إدارة ترامب. تم فتح تحقيقات حول تضارب المصالح، وسط اتهامات بأن ماسك يستغل نفوذه الحكومي لعقد صفقات تكنولوجية تعزز من هيمنة شركاته، وتمنحه نفوذًا يتجاوز حتى بعض مؤسسات الدولة.
Neuralink وX AI: حدود جديدة للسيطرة على العقول والمعلومات؟
إذا كان Starlink يتحكم في تدفق المعلومات عبر الإنترنت، فإن Neuralink وX AI يطمحان للسيطرة على ما هو أعمق: عقول البشر وذكائهم الجمعي. مشاريع ماسك في الذكاء الاصطناعي والتقنيات العصبية تثير مخاوف من إمكانية توظيفها في الرقابة، أو حتى في التأثير على الرأي العام بشكل غير مسبوق.
ماسك نفسه لا يخفي طموحه في “تغيير المجتمع”، بل يروج لفكرة أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون “حليفًا للإنسانية” وليس خصمًا لها. لكن، في ظل غياب أطر رقابية واضحة، من يضمن أن هذه الأدوات لن تُستخدم لتعزيز أجندات سياسية أو أيديولوجية معينة؟
تقاطع المصالح مع اليمين الأمريكي: صدفة أم تحالف استراتيجي؟
في السنوات الأخيرة، تحول ماسك تدريجيًا من “معتدل سياسيًا” إلى داعم صريح لليمين الشعبوي. دعمه العلني لدونالد ترامب، وتبرعاته الضخمة لحملته الانتخابية، وتبنيه خطاب “حروب الثقافة” ضد التقدميين، كلها مؤشرات على تقاطع مصالحه مع التيار اليميني الأمريكي.
ماسك لم يكتفِ بذلك، بل ردد نظريات مؤامرة يمينية مثل “الاستبدال العظيم”، وهاجم سياسات الهجرة والتنوع، ما جعله رمزًا لدى أوساط اليمين المتطرف. كما دخل في تحالفات مع قوى يمينية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، في محاولة لتصدير النموذج الشعبوي الأمريكي عالميًا.
هل نحن أمام “تكنوقراطيا يمينية” جديدة؟
رغم هذا التقاطع الواضح، تبقى العلاقة بين ماسك واليمين الأمريكي علاقة معقدة. فالرجل لا يتردد في مهاجمة بعض رموز اليمين عندما تتعارض مصالحه معهم، ويحتفظ بخطاب ليبرتاري/تكنوقراطي يختلف عن الخطاب الشعبوي التقليدي. لكن الأكيد أن مشاريع ماسك التكنولوجية باتت جزءًا من معركة السيطرة على المستقبل: من يملك التكنولوجيا يملك النفوذ، وربما يملك أيضًا القدرة على إعادة تشكيل المجتمعات وفق رؤيته الخاصة.
ماذا تعني هذه التحولات للعالم العربي؟
بالنسبة للجمهور التونسي والعربي، تطرح تجربة ماسك أسئلة جوهرية حول مخاطر تركيز السلطة التكنولوجية في يد أفراد أو شركات عابرة للحدود. في عالم تتحكم فيه شركات خاصة في تدفق المعلومات، وتملك أدوات التأثير على العقول، يصبح من الضروري التفكير في أطر سيادية ورقابية جديدة، تضمن ألا تتحول التكنولوجيا إلى “حصان طروادة” لأجندات سياسية أو أيديولوجية قد لا تخدم مصالح الشعوب.
في النهاية، إيلون ماسك ليس مجرد رائد أعمال أو عبقري تقني؛ إنه اليوم أحد أبرز وجوه التحولات السياسية والثقافية التي تعصف بالعالم. والسؤال الذي يجب أن نطرحه: هل نحن مستعدون لمواجهة هذا الواقع الجديد، أم سنكتفي بدور المتفرج؟



