رياضة, سياسة

كأس العالم 2026.. بطولة أخفت أسئلتها الحقيقية خلف الأهداف

بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026

ربما يكون الوقت مبكرا لإصدار حكم تاريخي قاطع على بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

ولم يجف بعد صدى الاحتفالات في نيوجيرسي، ولم تهدأ تماما أصداء النهائي الذي أسدل الستار على المونديال، فالمراجعات الحقيقية تحتاج لبعض الوقت، إلى أن تخفت الفورة الأولى، وتستقر الذكريات في أذهان المتابعين، وتتضح نتائج القرارات والأحداث بعد أن ينقشع غبار الصخب.

لكن محاولة التقييم تبدو إغراء لا يقاوم، فأين يمكن تصنيف هذا المونديال، الذي انتهى بمشهد عراك الأرجنتيني لياندرو باريديس مع الإسباني جافي، في سجلات التاريخ؟

فالبطولات الكبرى تحتاج إلى مسافة، وتحتاج إلى أن تهدأ الملاعب، وأن تخفت الضوضاء، وأن تتراجع المشاعر الأولى، قبل أن تبدأ الذاكرة في ترتيب الأحداث، وقبل أن تتضح تبعات قرارات اتخذت في لحظات لم يكن أحد يعرف حينها حجم تأثيرها.

بطولة تجاوزت فضائحها بسرعة

كان يمكن لقضية اللاعب الأمريكي فولارين بالوغون أن تتحول إلى واحدة من أكبر أزمات البطولة، ففي لحظة معينة، بدا أن قرار الاستجابة للضغط السياسي، والتخلي عن سابقة امتدت 64 عاما من أجل ضمان مشاركة لاعب بعينه، سيترك أثرا عميقا على صورة البطولة، لكن كرة القدم لا تمنح الفضائح دائما الوقت الكافي كي تستقر.

وللبطولات الكبرى زخمها الخاص، فهي تتحرك بسرعة نحو النهاية، وتدفع كل شيء أمامها، وتدفن الأحداث السابقة تحت أهداف جديدة ومباريات أخرى واحتفالات متتالية، ومع ذلك، فإن القرار نفسه قد يصبح لاحقا أكثر أهمية مما يبدو الآن.

فقد كان السويسري جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، قد قام بشيء مشابه مع النجم البرتغالي المخضرم كريستيانو رونالدو، كما أعاد، وفق منتقديه، هندسة معايير التأهل لكأس العالم للأندية بطريقة ضمنت مشاركة الأرجنتيني ليونيل ميسي.

فهل نحن أمام استثناءات عابرة، أم أمام مبدأ جديد؟ ذاك هو السؤال الذي تركته هذه الوقائع خلفها.

وربما يصبح من الطبيعي مستقبلا أن يحصل اللاعبون المشاهير على إعفاءات خاصة، لأن المداخيل أصبحت، في حسابات كرة القدم الحديثة، أكثر أهمية من العدالة أو حتى من مصلحة اللعبة نفسها، وقد كان تحطيم الأرقام القياسية للمداخيل أحد العناوين الكبرى لمونديال 2026.

لكن الاحتمال الآخر قائم أيضا، فقد تؤدي هذه القرارات إلى تشديد المعارضة لإنفانتينو، خصوصا أن عددا متزايدا من السياسيين البريطانيين، وبعض السياسيين الأمريكيين، بدأوا في توجيه انتقادات مباشرة إلى فيفا ورئيسها.

وفي هذا السياق، قد لا يكون توسيع كأس العالم إلى 64 منتخبا مجرد فكرة رياضية. فقد يصبح جزءا من حسابات سياسية أوسع، في إطار سعي رئيس فيفا إلى توسيع قاعدة دعمه، خصوصا بعد الضرر الذي ألحقته سياسات الهجرة الأمريكية والكندية بصورة إنفانتينو بوصفه مدافعا عن دول الجنوب العالمي.

 ما دفنته المباريات سيعود

ليست قضية بالوجون وحدها التي قد تعود إلى الواجهة، فالتعامل مع إيران، على سبيل المثال، كان من أكثر الملفات إثارة للجدل، وقد يترك سابقة مقلقة تتجاوز هذه البطولة.

أما أسعار التذاكر، فقد تنخفض في كأس العالم التالية عام 2030، لكن شيئا أساسيا تغير بالفعل، ففكرة أن يحصل المشجع العادي، الذي يذهب إلى مباريات الدوري كل أسبوع، على حصة معقولة من تذاكر كأس العالم تبدو وكأنها تنتمي إلى الماضي. هكذا ابتعد المونديال تدريجيا عن صورته بوصفه حدثا جماهيريا واسعا.

وبدا في نسخة كأس العالم الأخيرة، أقرب إلى حدث فاخر، تتحدد قيمة الحضور فيه بالقدرة على الدفع أكثر من الانتماء الطويل إلى اللعبة.

المدن المضيفة دفعت أيضا

أما الكلفة التي تحملتها المدن المضيفة، فلن تظهر بالكامل إلا مع مرور الوقت. هناك الكلفة المالية، بطبيعة الحال، لكن هناك أيضا كلفة اجتماعية وبيئية، في الولايات المتحدة وكندا، شهدت بعض المدن حملات لإخلاء الشوارع من المشردين، فيما حُرم أشخاص يعيشون أصلا على هامش المجتمع من بعض ممتلكاتهم القليلة، بما في ذلك وثائق الهوية والأدوية، وفي المكسيك، تصاعدت الاحتجاجات بشأن استخراج المياه والأضرار البيئية المرتبطة ببعض مشاريع كأس العالم.

وهكذا، فإن السؤال عن إرث البطولة لن يتعلق فقط بمن فاز باللقب، أو بعدد الأهداف التي سجلت، بل أيضا بما تركته البطولة خلفها في المدن التي استضافتها. أليس هذا هو الإرث الذي أصبح ركيزة في ملفات استضافة الأحداث الرياضية الكبرى؟

كارثة أم مجرد بطولة عادية؟

في خضم هذه الانتقادات، وصفت صحيفة “لا غازيتا ديلو سبورت” الإيطالية كأس العالم بأنها “كارثة”، حيث نشرت الصحيفة صفحتين كاملتين حول قضايا عدة، بينها أسعار التذاكر وقضية بالوغون والطقس وزيادة عدد المباريات، وتراجع فترات الراحة.

وربما يكون وصف الكارثة مبالغا فيه، لكن ما حدث بعد ذلك زاد من حدة القصة، فقد خفضت حصة الصحيفة من تذاكر المباراة النهائية من خمس تذاكر إلى اثنتين. لم يكن واضحا تماما ما إذا كان الأمران مرتبطين، لكن مجرد احتمال أن تحرم وسيلة إعلامية من الوصول بسبب رفضها الرواية الرسمية القائلة بإن هذه كانت أعظم كأس عالم على الإطلاق، كان كافيا لطرح أسئلة مقلقة.

كان ذلك جزءا من علاقة لم تكن مريحة بين الفيفا ووسائل الإعلام خلال البطولة. صحيح أن بعض الملاعب، خصوصا في هيوستن وأتلانتا، بذلت جهودا كبيرة للترحيب بالإعلاميين، لكن التنظيم الأساسي والتجهيزات الإعلامية كانا، وفق انطباعات صحفيين آخرين، من الأسوأ خلال النسخ الست الأخيرة من كأس العالم على الأقل.

قد لا يهتم الجمهور العادي بما إذا كانت خدمة الإنترنت اللاسلكية تعمل في المركز الإعلامي، لكن التفاصيل الصغيرة غالبا ما تكشف الصورة الأكبر.

وفي هذه الصورة، بدا المشجعون أحيانا كأنهم وحدات مداخيل ينبغي استثمارها إلى أقصى حد، فيما تحولت وسائل الإعلام إلى عبء مزعج.

كرة قدم جيدة.. لكن ليست عظيمة

أما مستوى اللعبة نفسها، فكان جيدا، لكنه بالتأكيد لم يكن في مستوى العظمة الذي صوره إنفانتينو، فقد شهدت البطولة مباريات رائعة ومثيرة، من البرازيل واليابان إلى المغرب وهولندا، ومن إنجلترا والمكسيك إلى الأرجنتين والرأس الأخضر، والنرويج وكوت ديفوار، وبلجيكا والسنغال، والنرويج والبرازيل، والأرجنتين ومصر.

لكن المفارقة أن معظم هذه المباريات جاءت في دور 32 أو دور 16. أما دور الثمانية، فلم يقدم المستوى نفسه من الإلهام.

وكان نصف النهائي أكثر إثارة، ففوز الأرجنتين على إنجلترا كانت مباراة ستظل حاضرة في الذاكرة، خصوصا بسبب الانهيار الذي شهدته المباراة، وهو انهيار سيمنح المحللين مادة للنقاش لسنوات.

لكن في المقابل، كان فوز إسبانيا على فرنسا أكثر سهولة مما كان متوقعا. فرض الإسبان تفوقهم بسرعة، ولم يجد الفرنسيون سبيلا لتغيير مسار المباراة.

ثم جاء النهائي، وكانت تلك هي المشكلة الأكبر. النهاية التي أعادت ترتيب البطولة. لم يكن النهائي جيدا. كان كئيبا، ثقيلا، ومفتقرا إلى الدراما التي عادة ما ينتظرها العالم من المباراة الأخيرة في كأس العالم. فاز الفريق الأفضل، بطريقته المعتادة الهادئة والاستعراضية على مدار ساعتين.

لكن المشهد النهائي بدا، في جانب منه، نتيجة مباشرة للتساهل الذي حظيت به الأرجنتين في مرحلة سابقة من البطولة. الأرجنتين التي اكتشفت بعض الجماهير أن لاعبيها ماهرون في ألعاب القتال أكثر من كرة القدم حتى يخيل للمرء أنهم يتعاركون في أحد الحواري البائسة في بوينس أيريس أو روزاريو.

وكما يحدث دائما في البطولات الكبرى، فإن النهاية لا تظل مجرد مباراة أخيرة. إنها تعيد تلوين كل ما سبقها.

ولهذا، فإن كأس العالم 2026 تبدو الآن أقل من مستوى نسختي 2022 و2018، ناهيك عن البطولات التي تحولت إلى علامات تاريخية، مثل نسخ ثمانينيات القرن الماضي أو مونديال 1998.

لكن الحكم النهائي سيحتاج إلى وقت، فربما تضعها الذاكرة التاريخية في مكان أفضل من نسختي 2014 و2006، وربما يحدث العكس، وفي النهاية، ربما يكون الوصف الأكثر دقة هو أنها لم تكن بطولة عظيمة، لكنها كانت جيدة.

وهذا، بعيدا عن ضجيج فيفا وتأكيداتها المتكررة بأنها صنعت “أعظم كأس عالم على الإطلاق”، قد يكون حكما كافيا، فليست كل بطولة مطالبة بأن تدخل التاريخ بوصفها الأعظم. أحيانا، يكفي أن تكون جيدة.

لكن كأس العالم 2026 قد تُذكر، على نحو خاص، ليس فقط بسبب المباريات التي لُعبت فيها، بل أيضا بسبب الأسئلة التي تركتها خارج الملعب عن المال والسياسة والهجرة وأسعار التذاكر والمدن المضيفة وعلاقة فيفا بالإعلام والحدود التي يمكن للعبة أن تتجاوزها باسم المداخيل أو الأرباح.

ومن هذا المنطلق، ربما لم تكن البطولة عظيمة. لكنها كانت كاشفة.

تصنيفات: , , , ,