سياسة, مجتمع

طرابلس على صفيح ساخن: تداعيات اغتيال “غنيوة” وإعادة تشكيل خريطة النفوذ في ليبيا

طرابلس على صفيح ساخن

شهدت العاصمة الليبية طرابلس منذ مساء الاثنين أعنف اشتباكات مسلحة منذ سنوات، تزامنت مع مقتل عبد الغني الككلي المعروف بـ”غنيوة”، رئيس جهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي. هذه الموجة من العنف، التي امتدت من مناطق صلاح الدين وأبو سليم لتشمل عين زارة ورأس حسن وبن عاشور، ليست مجرد اشتباكات عابرة، بل تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى داخل العاصمة، وتهدد بإعادة رسم خريطة النفوذ في المشهد الليبي المنقسم.

جذور الأزمة: صراع المؤسسات وتفكك الدولة

تأتي هذه الاشتباكات في سياق انقسام سياسي ومؤسساتي متواصل منذ عام 2022، حيث تتصارع حكومتان على السلطة: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة أسامة حماد التي كلفها مجلس النواب ومقرها بنغازي.

هذا الانقسام السياسي انعكس أمنياً في شكل تنافس بين:

  • أجهزة أمنية تتبع رسمياً للدولة مثل وزارة الدفاع
  • تشكيلات مسلحة تعمل تحت مظلة مؤسسية لكنها تتمتع باستقلالية فعلية
  • مليشيات متحالفة مع أطراف سياسية مختلفة

كان الككلي يمثل قوة أمنية واقتصادية ضخمة، حيث تحول جهاز دعم الاستقرار الذي يقوده إلى ما يشبه “إمارة” داخل طرابلس، تتحكم في مفاصل اقتصادية حيوية وتسيطر على مناطق استراتيجية، مما جعله بمثابة “الحاكم الفعلي” للعاصمة.

ديناميكيات الصراع: أطراف متعددة وأهداف متضاربة

تكشف تحليل الاشتباكات عن صراع معقد بين عدة أطراف:

  1. اللواء 444 قتال التابع لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية
  2. جهاز دعم الاستقرار التابع للمجلس الرئاسي بقيادة الككلي (قبل مقتله)
  3. جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة الذي يمثل القوة المستقلة الأخيرة غير المرتبطة بشكل وثيق برئيس الوزراء
  4. اللواء 111 المتحالف مع حكومة الدبيبة

تركزت المواجهات في البداية في منطقتي صلاح الدين وأبو سليم، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى. استخدمت فيها أسلحة ثقيلة في أحياء مكتظة بالسكان، مما أدى إلى:

  • سقوط ضحايا مدنيين (وفق تقارير بعثة الأمم المتحدة)
  • هروب عدد من السجناء من سجن الجديدة
  • حالة من الرعب بين السكان الذين وصفوا الوضع بأنه “مرعب”

تداعيات مقتل الككلي: فراغ السلطة وإعادة تشكيل التحالفات

يمثل اغتيال الككلي نقطة تحول محورية في المشهد الأمني الليبي، حيث خلّف فراغاً على عدة مستويات:

على المستوى الأمني:

  • تفكك شبكة تحالفات كانت تسيطر على أجزاء واسعة من العاصمة
  • استيلاء الفصائل المتحالفة مع الدبيبة (اللواء 444 واللواء 111) على مناطق كانت تحت سيطرة جهاز دعم الاستقرار
  • تركيز السلطة بشكل أكبر في يد حكومة الوحدة الوطنية

على المستوى السياسي:

  • تعزيز سلطة عبد الحميد الدبيبة الذي أمر بتفكيك ما أسماها “الجماعات المسلحة غير النظامية”
  • تراجع نفوذ المجلس الرئاسي الذي فقد ذراعه العسكرية الرئيسية
  • احتمالية تغيير في التوازنات بين السلطات المتنافسة في طرابلس

ردود الفعل المحلية والدولية

على المستوى المحلي:

  • وزارة الدفاع الليبية: أعلنت بدء تنفيذ وقف لإطلاق النار في العاصمة يوم الأربعاء، ونشر وحدات محايدة في نقاط التماس
  • حكومة الوحدة الوطنية: استغلت الأحداث لتعزيز سيطرتها على العاصمة
  • المدنيون: عبروا عن شعورهم بالرعب من العنف المفاجئ، وفقدوا الأمل مع استئناف القتال بعد فترات هدوء قصيرة

على المستوى الدولي:

  • بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا: أدانت التصعيد وحذرت من أن الوضع قد يخرج عن السيطرة، وجددت دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار
  • القوى الإقليمية والدولية: تراقب الوضع بحذر، خاصة مع استقطاب الصراع الليبي لتدخلات خارجية من تركيا وروسيا ومصر والإمارات

السيناريوهات المستقبلية: بين الاستقرار الهش والانفجار الشامل

في ضوء التطورات الراهنة، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة:

السيناريو الأول: تركيز السلطة

قد تؤدي الأحداث الأخيرة إلى تعزيز سلطة حكومة الدبيبة، مع انفرادها بالسيطرة على العاصمة بعد إزاحة منافس قوي. يدعم هذا السيناريو:

  • استيلاء الفصائل المتحالفة مع الدبيبة على مناطق نفوذ جهاز دعم الاستقرار
  • إعلان وزارة الدفاع (التابعة للدبيبة) وقف إطلاق النار ونشر قوات “محايدة”
  • تراجع نفوذ المجلس الرئاسي بعد فقدان ذراعه العسكرية الرئيسية

السيناريو الثاني: انفجار أمني أوسع

قد يؤدي استمرار القتال لفترة طويلة إلى جذب فصائل من خارج العاصمة، مما يهدد بتصعيد أوسع نطاقاً. يدعم هذا السيناريو:

  • تاريخ ليبيا في تحول الصراعات المحلية إلى حروب إقليمية
  • وجود قوى عسكرية في الشرق (قوات حفتر) قد تحاول استغلال الفراغ
  • استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي الذي يغذي الصراعات المسلحة

السيناريو الثالث: توازن قوى جديد

قد تنشأ ترتيبات أمنية جديدة في العاصمة، تقوم على توازن بين القوى المتبقية. يدعم هذا السيناريو:

  • بقاء جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة كآخر فصيل كبير غير مرتبط ارتباطاً وثيقاً برئيس الوزراء
  • مصلحة الأطراف المحلية والدولية في تجنب انهيار كامل للوضع الأمني
  • جهود الوساطة وخفض التصعيد التي تدعمها بعثة الأمم المتحدة

ليبيا على مفترق طرق

تقف ليبيا اليوم على مفترق طرق خطير، حيث يمكن أن تتحول الاشتباكات الأخيرة إلى نقطة تحول في مسار الأزمة. فإما أن تؤدي إلى إعادة هيكلة المشهد الأمني بما يسمح بتقدم العملية السياسية، أو أن تدفع البلاد نحو دوامة جديدة من العنف والانقسام.

في ظل هذه التطورات، يبقى المدنيون الليبيون الضحية الأكبر لصراع لم يعد يقتصر على التنافس السياسي، بل تحول إلى معركة نفوذ اقتصادي وأمني تتشابك فيها المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية.

تعثرت جهود الأمم المتحدة لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية لسنوات، وما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، ستظل ليبيا – المصدرة الرئيسية للطاقة والمحطة المهمة للمهاجرين – رهينة لصراعات لا تنتهي، تستقطب تدخلات خارجية وتعمق معاناة شعب ينتظر الاستقرار منذ انتفاضة 2011.

تصنيفات: , , , ,