اقتصاد, تكنولوجيا

حكاية الثورة التكنولوجية التي جعلت ملاعب المغرب تتحدى المطر في كأس أمم إفريقيا

ملعب الأمير مولاي عبد الله بالعاصمة الرباط

منذ انطلاق بطولة كأس أمم أفريقيا 2025 لكرة القدم، ومع تساقط أمطار غزيرة غير مسبوقة على مناطق واسعة من المغرب، برزت أرضيات الملاعب المغربية كظاهرة لافتة، لاسيما أرضية المركب الرياضي مولاي عبد الله بالرباط.

ففي حين غمرت الأمطار الشوارع والساحات، بقيت الملاعب سليمة دون برك أو وحل كما هي العادة في الملاعب الأفريقية، فلم تتوقف المباريات أو يتأثر مستوى اللعب. الكرة تتحرك بسلاسة، واللاعبون يحافظون على توازنهم، ويستمر إيقاع المباريات دون أن يتأثر.

هذا المشهد لم يكن نتيجة الصدفة، بل ثمرة تكنولوجيا خفية تعمل تحت العشب. إنها نظام “ساب إير”.

على عكس أنظمة الصرف التقليدية التي تعتمد على الجاذبية والتسرب البطيء للمياه عبر التربة، يقوم نظام “ساب إير” على مفهوم التحكم النشط في البيئة التحتية للملعب. فبدلا من الاكتفاء بتصريف المياه، يتحكم النظام في الهواء والماء داخل التربة بواسطة شبكة من المصارف المرتبطة بمضخات ومراوح قادرة على شفط الهواء أو ضخه حسب الحاجة.

وخلال فترات الأمطار الغزيرة، كما هو الحال منذ بداية البطولة، يشتغل النظام في “وضعية الاستخراج”، حيث تمتص المياه الزائدة عبر طبقات التربة وتصريفها بسرعة تفوق أنظمة الصرف التقليدية بست وثلاثين ضعفا تقريبا. هذه القدرة تمنع تشبع الأرضية بالماء، وتحد من تشكل الجيوب المائية، وتحافظ على تجانس سطح اللعب حتى بعد ساعات طويلة من التساقطات المتواصلة.

وتعتمد هذه الفعالية على بنية هندسية متعددة الطبقات. فالطبقة الأولى، بسمك يتراوح بين خمسة وستة سنتيمترات، هي طبقة العشب نفسها، وتتكفل بالامتصاص الأولي للمياه وضمان قابلية اللعب الفورية. أسفلها توجد طبقة من الرمل عالي النفاذية بالسمك نفسه، تسمح بتسرب سريع للمياه نحو المستويات السفلى مع الحفاظ على استقرار الأرضية. ثم تأتي طبقة نظام الصرف الفعلي، حيث تتمركز أنابيب وقنوات نظام “ساب إير” المرتبطة بالمضخات والمراوح.

وفي مستويات أعمق، توجد طبقة من الحصى تؤدي دور التصفية والتثبيت، مانعة الجزيئات الدقيقة من سد شبكة الصرف، وضامنة في الوقت ذاته الصلابة الميكانيكية للأرضية وقدرتها على تحمل وزن اللاعبين وكثافة المباريات.

ولا تتوقف المنظومة عند هذا الحد، إذ تمتد تحت الأرض شبكة كاملة لتجميع مياه الأمطار. هذه المياه لا تصرف مباشرة نحو الشبكة الحضرية، بل توجه إلى أحواض تخزين تحت أرضية لإعادة استعمالها لاحقا في سقي العشب والمساحات الخضراء بالمجمع الرياضي، في نموذج متكامل للتدبير الدائري للمياه، يحول التساقطات من عبء إلى مورد استراتيجي في بلد يعد فيه الماء ثروة حيوية وشهد سبعة أعوام متتالية من الجفاف.

ويأتي نظام “ساب إير” ضمن منظومة تقنية أشمل، إذ يتوفر ملعب مولاي عبد الله على أول عشب هجين في أفريقيا، يجمع بين العشب الطبيعي والألياف الاصطناعية التي تثبت السطح وتحد من اقتلاع العشب أثناء الجري والانزلاق، في حين يحتفظ العشب الطبيعي بخصائصه في الامتصاص والتجدد السريع.

وعندما تتغير الظروف المناخية وتهدد الحرارة والجفاف صحة العشب، ينتقل النظام إلى “وضع الضغط، حيث يضخ هواء بارد تحت سطح الأرضية لتغذية الجذور بالأوكسجين وطرد الغازات الضارة والتأقلم مع كافة الظروف، مع إمكانية تسخين أو تبريد الهواء المحقون حسب درجة حرارة التربة، ما يخلق مناخا مثاليا لجذور العشب.

ولا يقتصر تأثير هذه التكنولوجيا على الجانب الفني فحسب، بل يمتد إلى جوهر المنافسة الرياضية. فالأرضيات المشبعة بالمياه تخدم الفرق المعتمدة على الاندفاع البدني في حين تظلم الفرق المعتمدة على الفنيات، وتبطئ اللعب وتمنع الإصابات وقد تحسم نتائج المباريات بعوامل عشوائية. أما الحفاظ على أرضية مثالية فيضمن أن تحسم المباريات بالاستحقاق الرياضي فقط.

وتأتي هذه الثورة التقنية في سياق تسعى فيه كرة القدم الأفريقية إلى مواكبة أعلى المعايير الدولية. فتنظيم كأس أمم أفريقيا 2025 بالمغرب يشكل واجهة للقارة وفرصة لإثبات قدرتها على احتضان تظاهرات كبرى بشروط تقنية مثالية.

وتعتمد تكنولوجيا “ساب إير”، التي طورتها شركة بيرنارد البريطانية، على عقود من الابتكار والتجارب مع أكبر الأندية ومراكز التدريب في العالم، حيث يكيف النظام مع خصوصيات المناخ المتوسطي وإكراهات بطولة تجرى في فصل الشتاء.

كما أن هذا التحول رافقه تغيير جذري في مهنة صيانة الملاعب. فالتقنيون اليوم يعتمدون على لوحات قيادة رقمية تقيس رطوبة التربة ودرجة حرارتها ومستويات الأوكسجين وفعالية الصرف، بشكل يسمح بالتدخل الاستباقي وترشيد استهلاك الماء والطاقة، ويرفع مستوى الاحتراف في تدبير هذا المجال.

وتحت المطر الغزير، يستمر لعب كرة القدم دون عراقيل. اللاعبون يؤدون بأريحية، والمدربون ينفذون مخططاتهم دون ارتجال، والحكام لا يوقفون المباريات. أما الجمهور، فيستمتع بعرض رياضي لا تشوشه تقلبات الطقس.

تحت العشب، يواصل نظام “ساب إير” عمله بصمت. نظام غير مرئي، لكنه حاسم، يجسد ثورة هادئة في البنية التحتية الرياضية الأفريقية، ويترك إرثا لن يقاس فقط بالنتائج أو بحماس الجماهير، بل بالتحول الدائم في معايير تجهيز الملاعب في المغرب وربما في القارة بأكملها.

تصنيفات: , , ,