رياضة

نداء محب بالعقل والقلب: هكذا يتحول الترجي الرياضي التونسي من نادي البطولات إلى مؤسسة عالمية

الترجي الرياضي التونسي

ما تعيشه الرياضة التونسية اليوم، وكرة القدم على وجه الخصوص، ليس أزمة نتائج عابرة، بل أزمة منظومة كاملة.

أولًا: الأزمة ليست أزمة منتخب… بل أزمة منظومة

فالمنتخب الوطني، في مشاركته الأخيرة، لم يسقط فقط في ثلاث مباريات، بل عرّى واقعًا مؤلمًا: ثلاث هزائم ثقيلة (5-1، 4-0، 3-1)، و12 هدفًا مقبولًا، وصورة مهينة لا تليق بتاريخ تونس ولا بذاكرة أجيالها الرياضية.

هذه ليست مجرد أرقام، بل حكم قاسٍ على منظومة عاجزة: جامعة عاجزة، ووزارة عاجزة، وأندية تعيش في أغلبها حالة قهقرى في الحوكمة، والإدارة، والمالية، والتكوين، والبنية التحتية، وصناعة اللاعب. فالمنتخب الوطني هو مرآة البطولة، ومرآة التكوين، ومرآة السياسات الرياضية.

وحين يصبح أغلب لاعبيه قادمين من خارج تونس أو مكوَّنين خارجها، ودون حضور واسع في أندية عالمية كبرى، وحين لا يمثل الترجي، أكبر نادٍ في البلاد، إلا بمدافع واحد، فإن السؤال لم يعد فنيًا فقط، بل أصبح سؤالًا وطنيًا: من دمّر المدرسة الكروية التونسية؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الانحدار؟

إن الجامعة تتحمل المسؤولية الكبرى لأنها الجهة المكلفة بالتخطيط، والتكوين، والتطوير، والإشراف على المسابقات، وبناء السياسة الوطنية لكرة القدم.

كما تتحمل وزارة الإشراف مسؤولية مباشرة لأنها مطالبة بوضع السياسات العمومية، وتقييم الأداء، وإصلاح المنظومة، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تبرير الإخفاقات. وما حدث ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة سنوات من غياب الرؤية، وضعف الحوكمة، وغياب المحاسبة.

ثانيًا: الترجي… استثناء يحتاج إلى نقلة تاريخية

وسط هذا الواقع، يظل الترجي الرياضي التونسي الاستثناء الأبرز. فهو ما يزال يحافظ على حضوره القاري، ويبلغ الأدوار المتقدمة، ويملك أكبر قاعدة جماهيرية، وأغنى رصيد تاريخي، وأقوى علامة رياضية في تونس.

لكن، وبكل موضوعية، فإن الترجي ما يزال دون حجمه الحقيقي، ودون ما تسمح به إمكاناته البشرية، والاقتصادية، والمعرفية، والتنظيمية. ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس تحسينًا جزئيًا، ولا إصلاحات تجميلية، بل إطلاق التحول الهيكلي والاستراتيجي (La Transformation Structurelle et Stratégique).

ثالثًا: ماذا نعني بالتحول الهيكلي والاستراتيجي؟

التحول الهيكلي لا يعني تغيير الأشخاص، بل تغيير طريقة التفكير والعمل. يعني الانتقال من إدارة اليومي إلى صناعة المستقبل، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط، ومن الارتجال إلى الحوكمة، ومن الاجتهاد الفردي إلى المؤسسة، ومن ثقافة الفوز في مباراة إلى ثقافة بناء مشروع يمتد لعقود.

أما الصلابة الاستراتيجية (La Robustesse Stratégique) فتعني أن يصبح الترجي قادرًا على النجاح في كل الظروف، وألا يتوقف مستقبله على أي شخص مهما كانت قيمته، بل على مؤسسات قوية، وكفاءات متجددة، ورؤية بعيدة المدى، وثقافة تنظيمية تجعل النادي يتطور باستمرار ويصنع قادته جيلاً بعد جيل.

رابعًا: الاستثمار الحقيقي… الإنسان قبل اللاعب

لقد أثبتت التجارب العالمية، من فرنسا وهولندا مرورا بالبرتغال وإسبانيا وصولا إلى التجربتين المغربية والسنغالية، أن المستقبل يُصنع في مراكز التكوين، والبحث العلمي الرياضي، والطب الرياضي، والتحليل الرقمي، والتأهيل النفسي، والاستثمار في الأطفال والشباب.

الترجي يجب أن يكون مدرسة تصنع الرياضي والإنسان معًا، وتربي على الانضباط، والروح الأولمبية، والعمل الجماعي، والجدارة، واحترام المنافس، مع ضمان النجاح الدراسي إلى جانب النجاح الرياضي.

خامسًا: حوكمة عصرية ومؤسسات دائمة

الترجي يحتاج إلى هياكل متخصصة في الإدارة الرياضية، والمالية، والإعلام، والاتصال، والتسويق، وتنمية الموارد، والاستشراف الاستراتيجي، والتحول الرقمي، وإدارة الجودة، والعلاقات مع الجماهير.

فالأندية الكبرى لم تعد تُدار بالعاطفة وحدها، بل بالعلم، والبيانات، والاقتصاد الرياضي، وصناعة العلامة التجارية.

كما تحتاج الحديقة إلى فضاءات حديثة وراقية: مقهى أنيق، فضاءات استقبال، أماكن للقاء الأحباء، وقدماء اللاعبين، والكفاءات من مختلف الأجيال، حتى تعود الحديقة فضاءً للحوار، والإبداع، والانتماء.

سادسًا: جمهور الفيراج… من قوة التشجيع إلى قوة القدوة

جمهور الترجي هو الثروة الحقيقية للنادي. لكنه مدعو اليوم إلى قيادة تحول ثقافي جديد. لقد شهدت السنوات الماضية أحداثًا مؤلمة من أعمال عنف، ومعارك، واستعمال الشماريخ، ورمي المقذوفات، ترتبت عنها عقوبات مالية ورياضية وأضرت بصورة الترجي.

الترجي يحتاج إلى جمهور منظم، واعٍ، ومسؤول، يجعل من المدرجات فضاءً للإبداع، والانضباط، واحترام المنافس، والدفاع عن صورة النادي داخل تونس وخارجها.

سابعًا: الترجي أكبر من الجميع

إن قوة الترجي لم تكن يومًا في فرد، مهما كانت مكانته أو حجم عطائه، بل في قدرته التاريخية على صناعة الرجال، وتجديد النخب، وبناء المؤسسات، وتحويل الوفاء إلى مشروع، والانتماء إلى ثقافة، والنجاح إلى منظومة مستدامة.

التحدي الحقيقي ليس الحفاظ على ما تحقق، بل بناء ترجي لا تهزه تغيرات الأشخاص، ولا تربكه تقلبات النتائج، ولا ترهنه الظرفية. ترجي يصنع قادته قبل أن يبحث عنهم، ويؤمن بتداول المسؤولية، وتراكم الخبرة، واستمرارية المشروع، لأن المؤسسات العظيمة تعيش بالأفكار والكفاءات، لا بالأفراد.

الخاتمة: نداء إلى كل أبناء الترجي

لقد آن الأوان لأن ينتقل الترجي من مرحلة إدارة النجاحات إلى مرحلة صناعة المستقبل؛ من نادٍ يحقق البطولات إلى مؤسسة تنتج المعرفة، وتكوّن الأبطال، وتصنع القيمة الاقتصادية، وتربي المواطن الرياضي، وتؤسس لمرجعية إفريقية وعربية وعالمية في الإدارة الرياضية.

نثق في الحاضر، لكن مسؤوليتنا الحقيقية هي بناء المستقبل. مستقبل يشارك في صناعته أبناء الترجي من مختلف الأجيال، بكل كفاءاتهم وخبراتهم، في إطار الشفافية، والجدارة، والعمل الجماعي.

الترجي أكبر من مباراة… وأكبر من بطولة… وأكبر من جيل… وأكبر من أي شخص. إنه مشروع حضاري متجدد، ومدرسة وطنية، ورصيد تاريخي، ومسؤولية جماعية تتوارثها الأجيال.

فإذا نجحنا في إرساء La Transformation Structurelle et Stratégique، وبناء La Robustesse Stratégique، فإننا لن نصنع فريقًا ينتصر هذا الموسم فقط، بل سنبني مؤسسة رياضية خالدة، تتجدد باستمرار، وتصنع الأبطال، وتنتج المعرفة، وتقود الرياضة التونسية نحو مستقبل يليق بتاريخها.

غدُ الترجي لا يُصنع بالانتظار، بل بالرؤية، والعلم، والمؤسسات، والكفاءات، والإرادة الجماعية. وعندما يصبح المستقبل مشروعًا للجميع، سيظل الترجي دائمًا أكبر من كل التحديات، وأقوى من كل الأزمات، وأوفى لتاريخه، وأجدر بصناعة تاريخ جديد يليق باسمه ورسالته.

تصنيفات: , , , ,